لماذا رفضت لقاءً لإدانة السعودية دون التعرض لإيران

 يوم أمس الثلاثاء 06/11/2007 جرى في الصباح اتصال هاتفي بي من إذاعة عراقية رسمية (شيعية)، اتفقوا معي على الاتصال بي وقت نشرتهم الإخبارية في الساعة الثانية عشرة والنصف ظهرا ليأخذوا مني رأيا بشأن زيارة ملك السعودية عبد الله لألمانيا وتنظيم اعتصام من جمع من الجالية العراقية تدين دور كل من السعودية كدولة والوهابية كمذهب وكمؤسسة دينية، في التشجيع المباشر أو غير المباشر على الإرهاب في العراق. وجرى علي الإلحاح في القبول بالمشاركة في اللقاء الذي كان سيستغرق في حدود العشر دقائق.

 

وقبيل البث بقليل كرروا الاتصال بي من أجل التأكد من استعدادي لإجراء اللقاء الذي كان سيتضمن سؤالا واحدا. ولكني فهمت أنهم يرغبون في إدانة السعودية والوهابية تحديدا، فعندما بينت لهم بأني لا يمكن أن أتكلم عن الدور السعودي والوهابي دون التحدث عن دور تلك الدول من دول الجوار التي تسهم في إيذاء العراق، لاسيما إيران. فوجدتهم يصرون على رغبتهم بعدم التعرض لغير السعودية والوهابية، فأجبت في أن في ذلك نـَفـَسا طائفيا واضحا، وإني أمقت الطائفية الشيعية كمقتي للطائفية السنية سواء بسواء، إلم يكن مقتي للأولى أشد، فبقي مراسل الإذاعة يحاول جاهدا بإقناعي بفكرة اللقاء حسب تصورهم، ولو إن الرجل ربما لم يكن يعبر عن وجهة نظره الشخصية بقدر ما كان يتكلم على وفق ما كلف به. فقلت له أن يا عزيزي، إما أن تكونوا مستعدين للسماع لوجهة نظري، وإما أن تعذروني. وبالفعل جرى غض النظر عن إجراء اللقاء، بالرغم من أني أدرك كم هو محرج للإذاعة وللمراسل نفسه أن يجري إلغاء اللقاء بدقائق قليلة قبل البث، لكن كان واضحا أن مواجهتهم لهذا الحرج كان أخف عليهم من حرج التعرض لإيران ودورها التخريبي في العراق.

 

نعم فإننا قد أحطنا بعدد من الإخوة والأشقاء الذئاب الذين ينهشون بلحم العراقيين من أجل نصرة الدين حسب فهم سلفي وهابي جنوبي هنا، أو فهم شيعي ولايتفقيهي شرقي هناك، أو من أجل عقدة مستأصلة تجاه أمريكا عند طرف جار غربي هنالك، ولو على حساب الشعب العراقي، أو لعنصرية قومية عند جار شمالي.

 

والطائفية هي أشد ما دمر به العراق منذ نيسان 2003 حتى يومنا هذا، كان أدواتها هيئة تمثل مرجعية دينية سنية تغذيها القاعدة والمؤسسة الدينية الوهابية من جهة، وأحزاب وميليشيات إسلامية شيعية تغذيها دولة ولاية الفقيه الإيرانية ومخابراتها (الاطلاعات) من جهة أخرى. وفي تقديري أن الدور الإيراني كان هو الدور الأشد ضراوة والأكثر تخريبا وخسة ولؤما من غيره، والبصرة المستباحة إيرانيا خير دليل، والتأثير الإيراني على الأحزاب الأصولية الطائفية وبعض مفاصل المؤسسة الدينية الشيعية هو الآخر خير دليل، هذا كله طبعا دون التقليل من التخريب السوري-البعثي والسعودي-الوهابي والتركي الغارق في النـَفـَس القومي، غير مستعد للاعتراف بوجود شيء اسمه (أكراد) على أرض تركيا، ولا مستعد لتسمية ما حصل للأرمن على يد العثمانيين بأنه يمثل مجزرة، وفي هذين التوجهين نرى الإسلاميين الحاكمين والعلمانيين المعارضين من الأتراك متفقين تماما، فكلهم غارق في الحس القومي العنصري والتعصب للعنصر التركي.

 

ولو إن بحثي في الشأن الديني قد آل بي إلى فهم خاص للإسلام، يتجاوز أطر الانتماءات المذهبية، سأبقى محسوبا على الشيعة، ولذا فإن صدور إدانة باتجاه واحد من قبلي سيكون بمثابة الأداء الطائفي الذي لا يمكن لي أن أقبله لنفسي، فالطائفية لأهلها وليست لمثلي، وأحمد لله الذي نزهني عنها وكرَّهها إلى نفسي. نعم كان بالإمكان ألا أتكلم في الاتصال الهاتفي عما أنوي التعرض له، فأفاجئهم بما أريد، لاسيما والبث مباشر، ولكن فضلت ألا أغش حتى من أختلف معه.

 

وهنا أسجل عجبي - ولو أنه ليس من عجب - أن يكون منبر إعلامي رسمي على هذا النحو من الطائفية، ومما لم يفهمه حكامنا الجدد بعد، أنهم لا يميزون بين إعلام الدولة وإعلام الحكومة، إما لأنهم لا يدركون الفرق، أو إنهم يدركونه جيدا ويوظفون إعلام الدولة مع سبق الإصرار لصالح أحزاب السلطة، ومن هنا نرى كيف تحولت «العراقية» مثلا إلى نسخة محسنة قليلا لـ «الفرات».

 

07/11/2007

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::