دين وبيوت الله في خدمة دعايتهم الانتخابية

نعلم إن من لوازم الديمقراطية المساواة وتكافؤ الفرص، وذلك على جميع الأصعدة، وأهم الموارد في الالتزام بضابط تكافؤ الفرص، هو تكافؤها في الدعاية الانتخابية، ولكننا نرى أحزابا تنعت نفسها أنها (إسلامية) وأنها (أعلوية)، قد استخدمت مرتين في الانتخابات العامة دور العبادة من مساجد وحسينيات، والرموز الدينية من مراجع، من أجل استغفال الجماهير بدعوى التقوى وامتلاك شهادة التزكية الإلهية، مع إن استغفال الجماهير يعتبر من أشد أنواع المخالفة الدينية والوطنية، الدينية لأن ذلك يمثل مجانبة للصدق، الذي قال عنه أمير المؤمنين علي (ع) «الصدق رأس الدين»، كما وقال عليه السلام «الصدق روح الكلام»، لاسيما الكلام في القضايا المصيرية، ولاسيما إذا مثلت القضية المصيرية تلك قضية أمة بكاملها، وقضية مستقبلها، وكما قال الصادق (ع) «لا تغتروا بصلاتهم وصيامهم، بل اختبروهم بصدق الحديث وأداء الأمانة»، ولعلي أعيد صياغة قوله عليه السلام بقول «لا تغتروا بصلاتهم وصيامهم وانطلاق الشعائر الحسينية من مقرات أحزابهم واستخدامهم لصور مراجعكم الدينية، بل اختبروهم بصدق الحديث السياسي، والوفاء بالوعود، وأداء الأمانة الوطنية، والنزاهة عن الفساد المالي والإداري، ونبذ العنف، والكفاءة والإخلاص لوزرائهم ونوابهم». ثم إن ذلك يمثل مخالفة وطنية إلى جانب كونه مخالفة دينية، لأنه - وهم يعلمون ذلك جيدا - يتقاطع بشكل صارخ مع أسس الديمقراطية التي أقرت دستوريا.

أما أن يرفض حزب إسلامي أعلوي متنفذ مشروع قانون لانتخابات مجالس المحافظات، يقضي بمنع استخدام الرموز الدينية ودور العبادة، فيقول قيادي من هذا الحزب أن هذا الاستخدام يعتبر (حقا) لهم، ولعله يعني (تفويضا إلهيا)، ولذا فهم اعترضوا على استثناء دور العبادة والاستفادة من صور الرموز الدينية (والمعني بالذات صور المرجع الديني السيستاني) في الدعاية الانتخابية، معللا اعتراضهم بكون هذه الرموز الدينية ثروة قيمية وخزينا ووسائل ترويج لقيمهم وأفكارهم، وكون الرموز والشخصيات الدينية هي شخصيات وطنية تمثل العراق، حتى لو لم تكن تتمتع بصفة المواطنة دستوريا وقانونيا، وذلك لعدم حيازتها على الجنسية العراقية، مشددا على أن هذا البند يحرمهم من فرصتهم في استثمار المساجد والحسينيات لجذب أكبر عدد من الناخبين، لذا فإن المجلس الأعلى حريص على أن تكون صور المراجع ضمن الدعاية الانتخابية له، لما لها من ثقل في الترويج لأفكار وقيم هذا الحزب. والغريب إن هذا القيادي المجلسي يعلل هذا الإصرار على استخدام دين الله وبيوت الله ومراجع الدين وسيلة من وسائل الفوز في الانتخابات، بوجود نواح وأقضية لا يوجد فيها سوى المسجد مكانا لالتقاء الناس والحديث عن الانتخابات. فنسأله هل سيسمح (سماحته) وسماحة حزبه لحزب علماني يساري أو ليبرالي أو حتى حزب إسلامي يختلف معكم لاستخدام المسجد لدعايته الانتخابية؟ ربما سيقولون نعم، وهم من غير شك غير صادقين في «نعم»ـهم المدعاة هذه.

من الواضح جدا إن استخدام الدين هو ادعاء ضمني بأن المستخدِم له مُزَكـّىً دينيا، وبأن برنامجه السياسي يمثل (دينا) يُعَدّ اختيار غيره بمثابة المروق عن طاعة الله ورسوله وأهل بيته، ويعلمون جيدا بعدم صدق هذه الدعوى، ويعلمون جيدا أن البسطاء من المتدينين أو أصحاب عاطفة الولاء الطائفي سيصدقون بكون انتخابهم لهذه القائمة أو لهذا الحزب هو انتصار للدين أو للمذهب، وهذا مخالف كما بينا لأسس الديمقراطية وللضوابط الشرعية، لأنه غش سافر واستغفال للجماهير، والاستغفال هو خيانة للأمانة، باعتبار أن ثقة الناس بصدق هؤلاء لتظاهرهم بالدين والتقوى والورع والولاء لأهل البيت، باعتبار هذه الثقة أمانة لا يجوز خيانتها، لأنهم لا يستخدمون كما هو واضح قيم الدين والولاء لأهل البيت (ع) من موقع أن ذلك يمثل قيمة حقيقية عندهم، بقدر ما يمثل وسيلة منافسة سياسية غير نزيهة وغير متكافئة، ثم الاستغفال الجماهيري إساءة وإهانة للجماهير، ومن يهين الشعب لا يستحق أن يمثله. ولكننا نعول أيضا على مؤشرات الانبعاث الجديد لوعي الجماهير المخدوعة، بكونها لا يمكن أن تـُلدَغ من جحر مرتين، ولا أن تـُخدَع من ذات الخادع للمرة الثالثة.

 

أخيرا لا بد من نداء معنون إلى أربعة مخاطبين؛ جماهير محافظات الوسط والجنوب، عقلاء نواب الائتلاف، المرجعية الدينية في النجف، والقوى الوطنية.

بالنسبة للجماهير فندعوها ألا تسمح لأحد يخدعها لمرة ثالثة أو يبتزها أو يضغط عليها، فتكرر المأساة بانتخاب من ثبت أنهم لا يمثلون إرادتها ومصالحها الوطنية وتطلعاتها المستقبلية، وألا يصدقوا مرة أخرى أن انتخاب قائمة ما يمثل دينا، أو انتصارا للمذهب، فالصراع ليس صراع مذاهب وطوائف، والسنة ليسوا خصومكم بل إخوانكم في المواطنة/ فعليكم بـ(صحوة) انتخابية تحولون من خلالها دون تكريس التخريب الإيراني، ودون استخدام الدين والمذهب لمآرب أولئك الذين لا يحملون في جعبتهم إلا مشروع سلطة، وليس مشروع وطن أو مشروع دين.

 

وبالنسبة للعقلاء من نواب الائتلاف، أقول لا تـُؤخـَذنَّ أصواتكم في مجلس النواب حياءً، فالمأخوذ حياءً مأخوذ غصبا، وكونوا من الشجاعة مما يمكنكم من تحكيم ضمائركم، وتحكيم مصلحة العراق، وليس إرادة زعمائكم الحزبيين، أو إرادة زعيم قائمتكم. ليكن واحدكم من الشجاعة والإحساس بالمسؤولية وتحكيم الضمير ما يجعله يرفع يده معارضا لمن حوله من أفراد القائمة، ولا تحسبوا حسابات مجدكم السياسي الشخصي، فتشترونه ببيع المصلحة الوطنية العليا التي يملي عليكم ضميركم وحسكم الوطني ودينكم أن تصوتوا لها، إن كان ذلك فيما يتعلق الأمر بمنع استخدام الرموز الدينية في الانتخابات أو التصويت لصالح القائمة المفتوحة.

أما المرجعية فنأمل منها أن تحفظ لنفسها ماء الوجه بعدم تكرار السماح بالإساءة إليها بسوء استخدام اسمها وصورها، وأن تفتي بحرمة هذا الاستخدام، وإلا فستتحمل مسؤولية كارثة انتخابية ثالثة، مما نرأب بها عنه.

أخيرا نقول لمحبي العراق والمتحرقة قلوبهم على هذا الوطن المظلوم، نقول للوطنيين الديمقراطيين المتطلعين إلى دولة القانون والدستور الديمقراطية المدنية (العلمانية) المحترمة للدين بتنزيهه عن سوء الاستغلال السياسي، أفما آن الأوان لنا لتأسيس (المجلس الأعلى للثورة العلمانية لنصرة العراق)، ونقصد بالثورة هنا ثورة النضال السياسي، وثورة انبعاث الوعي والصحوة الشعبيين، وثورة الانتصار للدين بتنظيف الدين من لوثات سوء استخدامه للربح السياسي بوسائل غير شرعية وغير وطنية وغير ديمقراطية، وليس ثورة العنف والميليشيات، وأقصد بـ(المجلس الأعلى للثورة العلمانية لنصرة العراق) هو تأسيس الإطار الوطني الواسع والعريض والشامل لكل القوى الخيرة لإنقاذ العراق، والدفع نحو ديمقراطية وطنية حقيقية متلبسة بعمامة أو جبة، بل متحلية بالإيثار والصدق، لأن الصدق رأس السياسة، تلك السياسة التي أعنيها هي التي تعني مشروع الخدمة (لـ) الوطن، وليس مشروع السلطة (على) الوطن.

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::