أيُّهُما في الدّين حاكِمٌ عَلى الآخر: وَحْيُ السَّماء .. أم عَقلُ وَضَميرُ الإنسان؟

هذا البحث لا يدعي إعطاء نتائج حاسمة وإجابات نهائية، بل يريد أن يضع خطوطا ومعالم لطريق ٍ للبحث، وأقول طريق ٍ، ولا أقول الـطريق بـ (لام) التعرف. ولا بد من الإشارة مسبقا أن البحث يحتاج من غير شك إلى تفصيل أكثر مما جرى، وإلى إيراد نصوص وأمثلة لكل حالة مع مناقشتها وإعطاء أكثر من فهم لكل منها، وبيان ترجيح الفهم المتبنى على غيره، ربما أتناولها في المستقبل، ما لم تدفعه أولويات أخرى تستجد إلى الوراء. آملا أن يكون الموضوع إسهاما في خلق ثقافة جديدة، سواء في أوساط العلمانيين أو الإسلاميين، ومن العلمانيين من المؤمنين الملتزمين أو غير الملتزمين، من المؤمنين بالدين أو غير المؤمنين، وغير المؤمنين بالدين من المؤمنين بالله أو الملحدين، محاولين سوية أن يسهم كل منا في وضع منطلقات سليمة للتفكير، وإن اختلفت النتائج، ومبادئ للتعاطي مع واقع الاختلاف. والكل يعلم مدى ما يكوّنه الإسلام، كدين، أو كسياسة، أو كثقافة، أو كحالة اجتماعية، ما يكونه من محور مهم في واقعنا، وما له من تأثيرات إيجابية أو سلبية.

 

بالنسبة لبحث أيهما في الدين حاكِم على الآخر، أهو وحي السماء، أي النصوص الدينية المقدسة عند المؤمنين به، أم هو الإنسان على ضوء إعمال عقله وتحكيم ضميره، أقول كمقدمة للبحث، إن الإنسان مخلوق مركب، يتكون إجمالا، منظورا إليه من زاوية، من ثنائية المظهر والمضمون. المظهر هو شكله الخارجي وحركته وسلوكه وتعامله ومنطقه، أي كل ما يكون الآخرون شاهدين عليه. والمضمون هو ما يُعبَّر عنه بالمحتوى الداخلي، وهذا يتكون بدوره من ثنائية العقل والعاطفة. وما الجانب الإرادي من المظهر الخارجي، أي السلوك، إلا انعكاس للمضمون الداخلي، فتارة يكون انعكاسا للعقل، وتارة للعاطفة، وتارة ثالثة لتمازج العقل والعاطفة، بتفاوت في التناسب بينهما والتفاوت بمدى تأثير كل منهما في الآخر، سواءً كان التأثير إيجابيا بكلا الاتجاهين، أو سلبيا فيما يتعلق بتأثير العاطفة في العقل، والذي نعت حسب المصطلح الديني بالهوى.

 

وهذه الثنائية يعبر عنها بمتقابلات ثنائية مختلفة، منها: الذكاء والعاطفة، الإدراك الذهني والإحساس الوجداني، الفلسفة والأخلاق، التعليم والتزكية أو التربية، العقلانية والإنسانية، أو ما يستخدم مع الأطفال بثنائية العاقل والحباب. وعندما نتحدث عن هذه الثنائية بوصفها السلبي، نجد أمامنا كصفات للأشخاص المتصفين بانحدار البعد العقلي أو البعد العاطفي: الضال والمغضوب عليه، الجهول والظلوم، الغبي والخبيث، الأحمق واللئيم، اللاعقلاني واللاإنساني.

 

والإنسان الذي تتكامل إنسانيته، يتجسد هذا التكامل في بعديه، فيكون راشد العقل، ويقظ الضمير، من هنا استخدمت ثنائية العقل والضمير الإنسانيين، اللذين يمثلان ثنائية المضمون الداخلي لشخصية الإنسان. وهذه الثنائية تشخصان الاستقامة في البعد العقلي بإصابة الصواب، وفي البعد الضميري بإقامة العدل، والصواب أو الصدق من جهة، والعدل والقسط من جهة أخرى يمثلان عاملي الاستقامة على الصراط المستقيم، هما يمثلان عنصري اكتمال الحق، الذي لا يكون مطلقا إلا في عالم الميتافيزيقا «وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا»، أي تمت بالمستوى المطلق، بينما يتحرك الإنسان في عالمه النسبي نحو ما هو أصدق وأصوب، وما هو أعدل وأقوم، دون تحقيق الصواب المطلق والعدل المطلق. والعقل والضمير يمثلان الميزان الذي يزن الإنسان به صدق المفاهيم وعدل المواقف.

 

واختلفت المدارس الكلامية (مدارس علم الإلهيات) أو مذاهب العقائد أو الأصول في الإسلام، فمنها ما اعتمد العقل كحاكم على صحة العقائد، وهؤلاء سُمّوا بالعقليين، وأهم المدارس العقلية مدرستا المعتزلة والإمامية، بينما اعتمدت مدرسة الأشاعرة الوحي ميزانا وحيدا لحسن السلوك الإنساني وعدل الحكم الإلهي، فقالوا إن ما يأمر به الشرع حسن، وما يفعله الله هو عدل، ولا يملك العقل الإنساني صلاحية ولا قدرة الحكم على ذلك، بينما تبنى العقليون الحسن والقبح العقليين، أي قدرة العقل مستقلا على الحكم بحسن وقبح الأشياء، كتحسين العقل للصدق والعدل، وتقبيحه للكذب والظلم. ولكن علماء الكلام من مدرسة أهل البيت لم يوفقوا جميعا ولا في كل الحالات في الالتزام بتأصيل مرجعية العقل، بل لدينا شيعة أشعريون في منهجهم من حيث لا يشعرون، كما يمكن أن نتصور وجود سنة عقليين.

 

العقل يجب أن يكون المُعوَّل عليه في معرفة الصواب من الخطأ، فالعقل هو الذي يُعرَض عليه ما يُدَّعى ابتداءً بأنه يمثل وحيا إلهيا، من أجل أن يختبر مدى إمكان أو وجوب التصديق بهذه الدعوى، أي دعوى إلهية عقيدة وشريعة ما. وإلا فيكون هناك بمصطلح المناطقة دور في الاستدلال، مما يعتبره المناطقة أي الدور محالا عقلا. والدور يعني أن هناك طرفين في معادلة ما، لا يكون أي من الطرفين إلا بالثاني، وبالتالي لن يكون أي منهما، كأن يكون كل منهما علة للآخر وفي نفس الوقت معلولا به. والدور هنا يعني أننا من أجل أن نثبت بأن القرآن كتاب الله نستدل بقول القرآن بأنه كتاب الله، بينما يجب أن يكون الحاكم أو الشاهد أو الدليل على إلهية القرآن شيء آخر من خارج القرآن. فهذا الأسلوب من الاستدلال على الآخر يشبه حالة وقوف متهم أمام المحكمة، تريد المحكمة منه دليلا على براءته، فيقول إني بريء بدليل إني أبرِّئ نفسي.

 

وحيث هناك تشكيك بصدق كون الإسلام دين الله من خلال إثارة مجموعة من تشريعات أو مقولات ميتافيزيقية، يرى المشككون تناقضها إما مع العدل أو مع الحكمة والعقلانية، أو مع موازين المثل والقيم الإنسانية، أو مع الحقوق البديهية للإنسان. ولو ثبتت هذه التناقضات يكون من المُحال أن يصدر هذا التناقض عن الله سبحانه وتعالى، فيكون الحكم، بأنه بما أنه محال على الله أن يصدر منه ما يجانب العقل والعدل والرحمة والإنسانية، فتكون نسبة الدين الذي يشتمل على ما يجانب ما ذكرنا إلى الله أمرا محالا، ويكون إنكار ذلك الدين هو الدين في الحقيقة والجوهر، لأن هذا الإنكار يكون عين التنزيه لله سبحانه وتعالى عن النقص، كالظلم والخطأ في إصابة الصواب واللاعقلانية. لذلك لا بد من اختبار كل دين، بما في ذلك الإسلام، بعرضه على مجموعة معايير. ولست بصدد إثبات صدق الإسلام، بقدر ما أريد أن أثبت هذه الأسس والمعايير، وبالتالي وفي حال اكتشاف تعدد الإسلام، حيث نجد إسلاما لا يتعارض مع هذه الأسس، وآخر يتعارض معها، لا بد من تحديد مع أي من الإسلامَين سنكون.

 

فلننظر ما هي يا ترى الأسس التي يجري على ضوئها تصديق الدين، أيِّ دين كان، أو تكذيبه. الأسس في تقديري لا تخرج عن التسعة أدناه، ولو عن بعضها متداخل أو متشابه:

  1. الضرورات العقلية الفلسفية

  2. الحقائق العلمية الثابتة

  3. الحقائق التاريخية الثابتة

  4. ما لم يحصل من النبوءات عن المستقبل

  5. العدل الإلهي

  6. الحكمة الإلهية

  7. العدل الاجتماعي

  8. الحكمة الاجتماعية

  9. المثل الإنسانية أو الضرورات العقلية الأخلاقية

 

الضرورات العقلية والعلمية والتاريخية

بعدما بينت ما هي الأسس التي ينبغي اعتمادها في تقديري، وتقديري نسبي بلا شك في الدقة في إصابة الصواب، من أجل أن يجري على ضوئها تصديق أيِّ دين، أو تكذيبه، نتناول الآن بشيء من التفصيل هذه الأسس التسعة الواحد تلو الآخر:

1.      الضرورات العقلية الفلسفية

فكل كتاب مقدس - بنظر المؤمنين به - وكل وحي مُدَّعى يكون بالضرورة كاذبا، إذا ما تعارض مع ضرورات العقل الفلسفي، واشتملت مقولاته ممتنعات عقلية، والممتنعات العقلية، وبالذات ممتنعات العقل الفلسفي هي غير الممتنعات العلمية وأضيق دائرة منها، كما إن الممتنعات العلمية هي غير الممتنعات العملية، وأضيق دائرة منها. والممكنات العلمية تنقسم بدورها إلى ممكنات علمية نظرية، وممكنات علمية تطبيقية، أي مما جرى إثبات إمكانها فعلا، والثانية أضيق دائرة من الأولى. وهكذا تنقسم الممكنات العملية إلى ممكن عملي عام، وممكن عملي خاص، والثانية أضيق دائرة من الأولى. وكلامنا هنا عن التعارض مع الضرورات العقلية، كالحقائق الرياضية، والمنطقية، والفلسفية. وأعلاها مرتبة في درجة القطع هي الحقائق الرياضية، تليها الحقائق المنطقية، ثم الحقائق الفلسفية بالمعنى الأخص. واستخدام مصطلح العقل الفلسفي جاء تمييزا له عن العقل الأخلاقي الذي سيرد ذكره. وأستطيع أن أدعي أن القرآن لم يشتمل على جملة أو شبه جملة تتعارض مع ضرورات العقل الفلسفي. وهذا القطع ربما لن يكون بنفس الدرجة عندما نتناول التعارض مع ضرورات العقل الأخلاقي. لكن هذا بالذات أي عدم التعارض مع ضرورات العقل الفلسفي يمثل أهم عنصر قوة للإسلام، لاسيما في الفهم المعتزلي والإمامي.

2.      الحقائق العلمية الثابتة

وهنا لا بد من التمييز في المقولات الدينية بين ما يقع في دائرة ما يسمى بالمعجزات الإلهية، أي الظواهر الخارقة للعادة، والتي يعجز العلم عن تفسيرها، بل قد يرفضها، وبين الكلام عما يعتبر حقائق كونية، على سبيل المثال عن الشمس والقمر والأرض وحركة كل منها. فكل ميدان يجري التعامل معه على نحو مختلف عن الآخر. فإذا ورد في أي كتاب مقدس - بنظر المؤمنين به - وأي وحي مُدَّعى ذكر لقضايا كونية، أثبت العلم بالقطع واليقين الذي لا يقبل الشك عدم صدقها، والتي أي تلك النصوص الدينية مما لا يمكن تأويله إلى غير التعارض المؤكد مع تلك الحقائق العلمية، فهذا دليل كاف على عدم صدق نسبة ذلك الكتاب المتوهمة قدسيته إلى الوحي الإلهي، بحكم الضرورة العقلية بعدم جواز صدور الخطأ أو الكذب عن الله، إذا سلمنا بوجوده بأدلة قانون العلية، واستحالة التسلسل اللانهائي للعلل، ودليل واجب الوجود الذي يمثل العلة الأولى غير المعلولة بعلة. ولم يضع هذا البحث من مهامه إثبات وجوده تعالى، وإنما هي مجرد إشارة، أما إقامة الحجة على ذلك فمحل بحثه في وقت ومكان آخر. أما بالنسبة لما يسمى بالمعجزات أو الآيات حسب المصطلح القرآني، فمقدمة القبول بالمعجزة - إمكانا بقطع النظر عن الحدوث الفعلي - هو أصل الإيمان بالله، والذي يتفرع عنه الإيمان بصفات الكمال والجلال له سبحانه، ومنها القدرة المطلقة التي لا يحدها حد. من هنا يكون رفض المعجزة مطلوبا، إذا كانت المعجزة من الممتنعات العقلية. ولكن كون المعجزة كعدم الاحتراق بالنار، والولادة من غير أب، ليست من الممتنعات العقلية، بل إنها - كما تبدو - من الممتنعات العلمية، حسب قوانين علم الطبيعة، لذا علينا أن نتوقف قليلا قبل حسم القطع في رفضها، وبالتالي اعتبارها مبررا لرفض الدين الذي ورد ذكرها في كتابه (المقدس). فهناك تفسيران للمعجزة أو الظاهرة الخارقة للعادة. الأول كون الطبيعة وقوانين الطبيعة مخلوقة من الله سبحانه، فإنه غير خاضع لتلك القوانين، بل بمقدره تعطيل أي منها، إذا كان في تعطيلها مصلحة أو حكمة. ولكن هناك تفسير آخر، مفاده، أن الله لا يعطل قانونا طبيعيا عندما يظهر المعجزة، بل يخضع الظاهرة (المعجزة) لقانون طبيعي آخر، لم يكتشفه الإنسان في وقت ظهور المعجزة. فولادة إنسان - عيسى عليه السلام مثالا - من أم دون أب على سبيل المثال كان يبدو محالا، حتى أثبت علم الجينات إمكان ذلك من الناحية النظرية. وهكذا فإن عدم احتراق إبراهيم (ع) في النار خاضع على ضوء هذه النظرية لقانون يَحُول دون احتراق الجسم القابل عادة للاحتراق. في كل الأحوال الامتناع العلمي حسب رأيي ليس مبررا لرفض مقولة ليس فيها امتناع فلسفي. ولكن تبقى هذه القضية معلقة حتى يفحص المرء بقية أدلة الإثبات وأدلة النفي، لوجود وحي إلهي ودين منزل منه سبحانه. فإذا تضافرت أدلة الإثبات لا يجوز التوقف عند هذه المفردة، أما إذا تضافرت أدلة النفي، فتضاف هذه النقطة الشائكة إلى بقية أدلة النفي، إلا إنها لا تقوى على انفرادها في إثبات النفي. أما بالنسبة للنوع الأول من التعارض مع الضرورات العلمية، فإن القرآن بحق، وبدون تحيز، وبدون تكلف في التأويل لا يشتمل على آية أو جزء آية يتعارض مضمونها مع الحقائق العلمية المكتشفة. نعم هناك من بالغ في تأويل آيات إلى ما ينسجم مع مكتشفات علمية بشكل مُتكلـَّف ومبالـَغ به جدا، وراح هؤلاء يؤلفون الكتب عن الإعجاز العلمي أو الإعجاز العددي في القرآن لحد الإسفاف. ولكن بعيدا عن هذا المنهج المرفوض، نستطيع أن ندعي أن القرآن يشتمل فعلا على حقائق علمية عديدة سابقة لزمن اكتشافها، ومعجزات عددية غريبة ومثيرة للدهشة، إلا أن قيمة هذين الإعجازين العلمي والعددي قد ضاعا في صخب توسيع ما يُدَّعى أن فيه إعجازا علميا أو عدديا، والتكلف في لـَيّ الآيات لـَيّا إلى حيث يريد المدعي، فأساء هؤلاء إلى قيمة الإعجاز الفعلي، بادعاء إعجازات مفتعَلة ومُدَّعاة وغير مقنِعة، بل بعضها مدعاة للسخرية، التي أساءت إلى القرآن الكريم أكثر مما خدمته.

3.      الحقائق التاريخية الثابتة

في حال ورود روايات تاريخية في كتاب (مقدس)، أثبت علم الآثار على نحو القطع واليقين عدم حدوثها، فمن غير شك يكون ذلك دليلا على عدم صدق نسبة ذلك الكتاب إلى الوحي الإلهي. أما إذا كان نفي حدوث تلك الحوادث فقط على نحو الظن دون القطع، فلا قيمة لدليل النفي، إلا إذا تضافر مع أدلة أخرى كثيرة، يكون اجتماعها مبررا للشك في صدق دعوى ذلك الدين، ولكن يبقى ذلك مما لا يمكن القطع فيه. نعم يمكن أن يكون الرفض مقبولا ومبرَّرا بحكم تضافر مؤشرات النفي بشكل يجعل التصديق أمرا صعبا. ويستحيل عندها على الله أن يعاقب إنسانا لم يؤمن بسبب هذا التضافر لمؤشرات النفي ومبررات الرفض. وهذا سيأتي تفصيله أكثر في بحث التعارض مع العدل الإلهي. قد يرى البعض تعارضا مع الحقائق التاريخية في قضية خلق آدم وحواء كأول إنسانين، مع اكتشاف آثار لوجود الإنسان بحقب زمنية أطول بكثير من عمر البشرية المفترضة منذ آدم وحواء. ولكن هذا التعارض غير ثابت، لأن وجود سلالة آدم وحواء، لا يعني بدء النوع البشري من ناحية التركيب البيولوجي، بل بدء ذلك النوع البشري الذي تكامل رشده وعقله، بحيث أصبح مكلـَّفا بالمصطلح الديني، أو مسؤولا أمام عقله وضميره بالمصطلح الأعم.

4.      ما لم يحصل من نبوءات المستقبل

الكتب (المقدسة) كما تروي لنا حوادث حدثت، أو يدعى حدوثها، تروي لنا نبوءات عن حوادث يراد لها أن تحدث مستقبلا، أي بعد نزول ذلك الكتاب (المقدس). فإن حصل الحدث الذي نبأت به، لاسيما إذا كان حدثا استثنائيا، وكانت قد ذكرت عنه تفاصيل، أو مكان أو زمان حصوله، فيكون ذلك بمثابة دليل من أدلة صدق ذلك المصدر، ويكون الدليل أقوى، كلما كانت درجة غرابة واستثنائية ولا توقع الحدث أشد. وبعكسه إذا ما جرى تنبؤ لأمر حدد زمان حصوله، أو كلا من زمان ومكان حصوله، ومر الوقت الموقت له في الرواية (النبوءة) الدينية تلك، دون وقوعه، فيكون ذلك دليل عدم صدق المصدر. ولكن مع عدم ذكر الزمان، يكون من الصعب تكذيب النبوءة، لمجرد عدم وقوعها حتى لحظة التكذيب.

5.      العدل الإلهي

هذه نقطة في غاية الأهمية وفي غاية الحساسية. لأن الإله غير العادل بالضرورة العقلية ليس بإله. فالإيمان بالله يستتبع الإيمان بكل صفات الكمال المطلق، ومنها العدل والحكمة والعلم والقدرة. فأي مقولة دينية، دنيوية أو أخروية، لا تكون منسجمة مع ضرورة العدل الإلهي، تكون مبررا لرفض مصدر تلك المقولة كوحي إلهي. وبعكسه كلما كان انسجام مقولات كتاب (مقدس) ما مع ضرورات العدل الإلهي أشد وأوضح، كلما كان ذلك حجة بصدق ذلك الكتاب، أو على أقل بإمكان صدقه، فيكون تمام التصديق بمستوى اليقين، أو مستوى الظن المتخم لليقين، أو بمستوى الظن الراجح، بعد فحص بقية الأدلة. بل حتى الرحمة الإلهية أراها بعكس - ما يذهب إليه معظم علماء الكلام - واجبا عقليا، إذ هي من لوازم العدل، وهذا لا يتعارض مع قول أن الرحمة أوسع من العدل. ولكني عندما أقول إنها من لوازم العدل، لا أقع في التناقض، لأن الإنسان مخلوق من الله، وقد خلقه الله من ضعف، كما في صريح القرآن، وكما يحدثنا واقع الإنسان بوضوح، ولذا فضعف الإنسان الذي يمثل إرادة خالقه لا يُجبَر بالعدل بمعناه الحرفي الدقيق وحده، بل يُجبَر هذا الضعف بالرحمة التي هي من حيث المبدأ صحيح أوسع من العدل، ولكنها واجبة على ضوء ما بينت. والذي يجعل الرحمة واجبة، إضافة على أن إرادة الله شاءت أن يخلق الإنسان من ضعف، هو أن الإنسان لم يُسأل عندما خلق، بل خـُلِق رغما عنه. ولكن الفرق بين العدل والرحمة، هو أن العدل قطعي ومطلق، بينما الرحمة ظنية ونسبية. وأقصد بالظنية لا أن حقيقة كون الله رحيما أمر ظني، ورحمته محدودة، تعالى عن ذلك، بل هو يقينيٌّ بهذا المعنى، ولكن تشخيص مدى استحقاق كل إنسان لرحمة الله هو الأمر النسبي، وبالتالي الظني، بعكس ما هو الأمر مع العدل، فهو واضح الملامح، ويكاد يكون قطعيا كالمعادلة الرياضية. هنا ترد أسئلة ما إذا كان من العدل - ناهيك عن أن يكون من الرحمة - أن يُدخـَل إنسان ما في العذاب، لمجرد أنه لم يقتنع بضرورة من ضرورات الإيمان، وبالتالي كفر بها، كما توحي العديد من الآيات بدخول الكافر في نار جهنم لمجرد كفره. وهذا يوحي بأن الأشخاص الذين لم يرتكبوا جريمة أو ظلما يستحقون عليه العقاب، سيخلدون في النار لمجرد أنهم لسبب أو آخر لم يتوصلوا إلى القناعة بدين ما، أو لعله مذهب ما، أو بضرورة من ضرورات الدين أو المذهب. لست وحدي، بل العديد من علماء الكلام يذهبون إلى عدم كفاية كفر الإنسان لدخوله النار، وهذا ما يذهب إليه على سبيل المثال المفكر مرتضى مطهري. لكن كيف ينسجم هذا مع آيات القرآن التي تتوعد الكافرين بالنار، وبتخليدهم فيها، لمجرد كفرهم. في الواقع تنقسم هذه الآيات إلى نوعين؛ نوع يتوعد هؤلاء بالنار، ليس بسبب عقيدتهم وحدها، بل بسبب أعمالهم، كالظلم وارتكاب الإجرام والإفساد في الأرض، كممارسة الاضطهاد والقمع بكل ألوانه ومستوياته ضد الذين يدينون بغير دينهم. أما الآيات التي لا تذكر مبررا للعذاب غير الإيمان بغير ما مطلوب منهم أن يؤمنوا به، فلا بد أن تـُؤوَّل إلى ما ينسجم مع ضرورات العقل، والتي منها العدل الإلهي الواجب عقلا. من هنا يجب دراسة الآيات بهذا الخصوص، ولي رأي تفصيلي في هذا الموضوع الشائك، أسأل الله أن أوفق يوما لتقديم دراسة مستفيضة ووافية أكثر عنه. وإلا فإني متيقن من عدل الله، الذي لا يكون الله من غيره هو الله - تعالى عن ذلك -، ومطمئن من رحمته التي هي أوسع من كل تصورات البشر.

6.      الحكمة الإلهية

ما قيل عن العدل الإلهي، يمكن أن يقال عن الحكمة الإلهية، ولكن المقارنة مشروطة، بسبب أن الحكمة لا يمكن أن تـُدرَك دائما، كما يُدرَك العدل. وعندما نتكلم عن الحكمة، لا بد من أن نفرق بين حكمة التكوين، وحكمة الأحكام، أو بين الحكمة التكوينية، والحكمة التشريعية. عندما أقول إن إدراك الحكمة، أو تمام الحكمة ليس ميسورا دائما، فليس هذا من قبيل الهروب من تحكيم العقل (العقل العملي)، ولا هو من قبيل تعطيل العقل، بل لي ما كوَّن عندي هذه القناعة، التي أحاول توضيحها، ولو بإيجاز. كلامي طبعا قائم على أساس التسليم بمقدمة، ألا هي وجود الله سبحانه وتعالى، لأن الحديث سيكون على نحو آخر من الاستدلال مع من لا يؤمن بوجوده عز وجل. فمع التسليم بحقيقة وجوده سبحانه، لا بد من التسليم بحكمته. وهنا أورد مثالا على ذلك لتوضيح المسألة. لو إننا كنا مخلوقات من نوع آخر، نعيش على كوكب آخر، ونملك مَلـَكات عقلية وروحية وجسدية أرقى من الإنسان بكثير، ونعيش أطول من عمره بعشرات الأضعاف، ولا نعرف المرض، ولا نمارس الظلم تجاه بعضنا البعض، واستطعنا أن نتغلب حتى على كل الكوارث الطبيعية. ثم يُروى لنا عن وجود كوكب اسمه الأرض، يعيش عليه مخلوق اسمه الإنسان، ثم يُروى لنا عن كل تاريخ البشرية، بكل تلك الكوارث والاقتتال والظلم السياسي والاقتصادي والاجتماعي وعلى جميع الأصعدة وبشتى المستويات. كنا عندها سنردّ على من يروي لنا ذلك، بأنه خرافي، إذ يستحيل على حكمة الخالق أن يخلق مثل هذا المخلوق. ولكننا بحكم كوننا نحن أصحاب التجربة، ونعلم بوجودنا - كما يُعبَّر - علما حضوريا، وليس علما حصوليا، كي نحتاج إلى تبَيُّن صدقه من كذبه. إذن هناك ثلاثة حقائق يقينية، وشك واحد. الحقائق اليقينية، هي حقيقة وجودنا، والثانية حقيقة أن الله هو الذي خلقنا، والثالثة حقيقة أن الله لا يفعل شيئا إلا على ضوء الحكمة والعدل. وأما الشك، فهو شكنا بأن وجودنا وكل ما يتعلق به مساوق للحكمة. نفس الشيء يمكن أن يقال عن مدى انسجام واقعنا مع مبادئ العدل. أما بالنسبة للعدل، فقد حُلـّت مشكلته بإيماننا بوجود عالم آخر وحياة أخرى بعد هذه الحياة، يُقام فيه العدل بمداه المطلق، بحيث يُعوَّض كل من فاته شيء من حقوقه، حتى ولو بمقدار ذرة، وفق معايير العدل في ذلك العالم. ولكن ربما لن نستطيع أن ندرك كامل الحكمة وراء خلق الله لنا. وهذا العجز عن فهم تمام الحكمة كان حال الملائكة الذين عبروا ابتداءً عن استغرابهم من خلق الإنسان وعدم فهمهم لجدوى هذا الخلق بقولهم «أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء»، ثم عبروا عن قصورهم في فهم الحكمة في ذلك بقولهم «لا علم لنا إلا ما علمتنا»، مع تأكيدهم على يقينهم بوجود الحكمة التي لم يدركوها بقولهم «إنك أنت العليم الحكيم». فهم باختصار متيقنون من حكمة الله وعلمه، ومدركين لمحدودية علمهم وقصورهم عن إدراك تمام الحكمة من خلقه، ويعبرون عن عدم فهمهم للحكمة من وراء خلق الإنسان. فمن ناحية الحكمة التكوينية ليس لدينا إذن من مشكلة، ولكن الكلام عن حكمة الأحكام الشرعية. وقبل تناول هذا الموضوع، أردت أن أقول، إن أي دين يشتمل على مقولات تتنافى مع حكمة الله سبحانه بشكل واضح، لا بد أن يكون ذلك مبررا لعدم تصديقنا به. أما فيما يتعلق الأمر بحكمة الأحكام أو الحكمة التشريعية، فيجب بحث الموضوع من ثلاث زوايا. من زاوية ثبوث صدور الأحكام من الله، ومن زاوية ثبوت ثبات هذه الأحكام وعدم نسبيتها، وبالتالي تغيرها حسب تغير الزمان والمكان، والاقتصار على ثبات مبادئ الأحكام كمبدأ العدل، ومن زاوية إدراك الحكمة أو الشك فيها. فإذا ثبت لنا صدور الأحكام من الله لا بد لنا - أي لمن آمن أنها صادرة من الله دون إلزام غيره بالإكراه - من التعبد بها والتسليم لها. وأما إذا ثبت لنا عدم الثبات، بل ثبات المبادئ فقط، فتكون المسألة محلولة، كون تقدير الحكمة يكون متروكا للإنسان، وبالتالي يكون نسبيا ومتغيرا، إلا ما ثبت ثباته بحكم العقل. نعم يمكن أن نطرح تساؤلات عن ماهية الحكمة التي تكمن وراء العديد من الأمور، ومنها على سبيل المثال، ما هي الحكمة من إرسال رسل وأنبياء واختيار أوصياء وأئمة، في الوقت الذي نجد رغم كل الرسل والأنبياء والأوصياء والأولياء والأئمة والقديسين، أمامنا عددا يكاد لا يُحصى من الكيفيات لفهم كل دين من الأديان، بما في ذلك الإسلام، حيث يكون التعارض بين فهم وآخر بدرجة حادة من التقاطع والتنافر يقترب من التناقض. فإذا كان الاجتهاد متروكا للإنسان، فيُسمَح أن يُطرَح سؤال، لماذا لم يترك تنوع الاجتهاد، من غير أن يُنسَب للدين، حيث يُكفـِّر البعضُ البعضَ الآخر، ويدعي كل فريق احتكار الحق والشرعية والأصالة والاستقامة واستحقاق دخول جنة الخلد. هذا وغيره تبقى أسئلة قد نجد إجابات عليها، ولكنها لن تكون إجابات وافية ومقنعة تمام الإقناع. نعم عندما أعلم علم القطع واليقين، لا علم الظن والتخمين ولو على نحو الترجيح، بأن هذا يمثل دين ورسالة ووحي الله، عندها سأسلم أمري لأمره تعالى، وأقول ما قالته الملائكة «سبحانك لا علم لنا إلا ما علمتنا إنك أنت العليم الحكيم». ولكن ما ذنب الذي لا يبلغ اليقين، دون أن يكون راغبا في الشك، بل يجد الشك مفروضا عليه لا إراديا. فاليقين لا يملكه في تقديري إلا المُدَّعون به ظاهرا، والشاكـّون باطنا، وبسطاء المتدينين، وسُذج المقلدين، والمتعصبون المتطرفون، وإلا فكل المؤمنين العقلاء، إنما يؤمنون على نحو الظن في كل ما هو ظني، وعلى نحو القطع حصرا فيما هو قطعي. ولكن أرجع وأقول إن عدم إدراك تمام الحكمة لا يبرر التسرع بالرفض دون فحص سائر الأدلة.

7.      العدل الاجتماعي

وهذا يتعلق على الأغلب بشكل خاص بالأحكام الشرعية لكل دين، فإذا كانت تتعارض مع مفهوم العدل الاجتماعي أو العدل الإنساني، فيدعو ذلك الدين إلى التفاضل بسبب الجنس أو اللون أو العرق أو النسب، دون اعتماد معايير صحيحة للمفاضلة، بحسب الميدان الذي تجري فيه المفاضلة، كالاختصاص حيث يكون التعويل على الاختصاص، والكفاءة، أو النزاهة، أو الخبرة، أو الاستقامة، أو العدالة، بحسب ما يتطلبه كل موضوع وكل حاجة وكل ميدان من ميادين الحياة الإنسانية. فالشريعة التي لا تعتبر الناس سواسية كأسنان المشط، أو تؤسس لمبدأ أفضلية العربي على غير العربي، أو الأبيض على الأسود، أو المنحدر إلى قبيلة أو أسرة - حتى لو كان الانحدار إلى نبي أو وصي أو قديس – على غيره، أو تسمح بانعدام المساواة في الحقوق أو الفرص، فمن غير شك تكون هذه الشريعة غير عادلة، وبالتالي لا يعقل أن تـُنسَب إلى الله سبحانه وتعالى. ولكن من المؤكد أنه لا يكفي مجرد التصور عن شريعة ما بأنها تجانب العدل بين الناس، من خلال نظرة إجمالية سريعة وسطحية، من أجل رفضها، أو وصمها بمجانبة العدل، بل لا بد من التثبُّت من عدالة أو عدم عدالة تلك الشريعة بشكل أكثر عمقا وأوسع إحاطة. وهنا لا يُعوَّل على اجتهاد فقهاء تلك الشريعة، والذين من الممكن أن يصيبوا أو يخطئوا في استنباط الحكم الشرعي، ولا على تلك النصوص غير الثابتة نسبتها إلى ذلك الدين، كما هو الحال في الإسلام بالنسبة لأحاديث وسنة الرسول (ص) وأهله بيته (ع) للاختلاف الواقع فيها، بل لا بد من الاقتصار على النصوص المتفق بالإجماع على نسبتها إلى ذلك الدين، وهذا ما ينطبق على القرآن بالنسبة للإسلام. وهنا سيثير الكثيرون ما يستندون إليه من آيات الأحكام، التي يستنتجون منها عدم مساواة الإسلام بين الرجل والمرأة، وبين الحر والعبد، وبين المسلم وغير المسلم، وبين (السيد) و(العامي)، أي المنحدر إلى رسول الله (ص) نسبا، وغيره. ولذا نحتاج إلى دراسة هذا الجانب دراسة موضوعية معمقة، كما يجب دراسة ما يتبناه بعض المفكرين الإسلاميين، في عدم ثبات الأحكام الشرعية ذات البعد الاجتماعي، ومرحلية الأحكام التي يُستوحى منها عدم المساواة، باعتبارها كانت تمثل خطوة إصلاحية أولى، ولم تغلق الطريق أمام استكمال أشواط تطوير الأحكام الاجتماعية إلى ما هو أكثر عدالة وعقلانية وإنسانية. والمطلوب من المؤمنين أن يتفهموا إثارة هذه التساؤلات، ولا يتحسسوا منها، فهي تساؤلات مشروعة، بل لا أشك في أنها تساؤلات وشكوك يحبها الله، ويحب كل من يثيرها، إذا سلمت منطلقاتهم. فالإنسان الذي يرفض الانقياد لدين يتوهم أنه يفضل الرجل على المرأة، والحر على العبد، والقرشي على غيره، إنما ينطلق في رفضه من أسس محبوبة عند الله سبحانه وتعالى، لأنها أسس القسط والعدل والمساواة والسلام والمحبة والإنسانية والعقلانية. فمن غير المعقول أن الله لا يحب إنسانا تنجذب نفسه وترتاح وتسكن إلى كل هذه الأسس الربانية المتعالية وتنسجم وتتناغم معها، وتنفر من نقائضها.

8.      الحكمة الاجتماعية

وهذا يتعلق أيضا على الأغلب وبشكل خاص بالأحكام الشرعية لكل دين، فإذا كانت تتعارض مع مفهوم الحكمة الاجتماعية أو العقل العملي أو العقلانية، بشكل قاطع، وإذا ما كثرت الأحكام التي تتقاطع مع هذا المبدأ، فستكون هذه نقطة أساسية تـُسجَّل على ذلك الدين، وتكون مبررا معقولا ومحترما لإثارة الشكوك حوله. ولكن هذه المفردة لا يقتصر بحثها على الأحكام، بل يشمل أيضا سيرة الأنبياء وعموم المعصومين المختارين والمكلفين من الله سبحانه، عندما نراهم يسلكون - حسب الظاهر - سلوكا يبتعد عن قواعد الحكمة، ونفس الشيء يقال عن مجانبة العدل. وإذا وُجـِدَت سلوكيات للأنبياء تبتعد عن العدل في العهدين القديم والجديد، لا نجد مثل ذلك في القرآن، لكننا قد نجد سلوكا يمكن من الوهلة الأولى الحكم عليه، بأنه لا يتناسب مع العصمة التي من لوازمها التحلي بالحكمة بمستوى فوق المتوسط على أقل تقدير. لذلك يجب دراسة هذه الحالات، وعدم التحسس من إثارتها، وعدم الاقتصار على تفسيرها تفسيرا تبريريا، لأن التبريرية تقنع البسطاء، لكنها لا تقنع العقلاء والأذكياء، وأصحاب العمق في الوعي، والتوقد في الذهن، والقدرة على التأمل والمطالبة بالدليل المقنع.

9.      المثل الإنسانية أو الضرورات العقلية الأخلاقية

لا يمكن لدين أن يكون دينا حقا، أي إلهي المصدر، عندما تكون أحكامه متقاطعة بشكل حاد وواضح لا شك فيه ومتكرر مع المبادئ والقيم والمثل الإنسانية والأخلاقية، أي متعارضة مع ضرورات العقل الأخلاقية، من المساواة في صيانة كرامة الإنسان وحرياته وحقوقه، وغيرها من القيم الإنسانية كالسلام والعفو والتحاب والتعاون على قيم الخير. وذكِر ذلك في سياق الكلام عن عدم التعارض مع ضرورات العدل الاجتماعي، إلا أنه كان من اللازم إفراد تناول عدم التعارض مع ضرورات العقل الأخلاقي، في مقابل العقل الفلسفي، فالأول يبحث في الصواب والخطأ، بينما هذا يبحث في الحَسَن والقبيح، أو الطيب والخبيث، أو الخيِّر والشـِّرّير. فمن غير المعقول أن يُنسَب دين إلى الله سبحانه وتعالى، إذا ثبت تعارضه مع ضرورات العقل الأخلاقي، فيُحسِّن القبيح، ويُقبِّح الحسن.

 

طبعا في كل ما ذكر هناك شواهد - فيما يتعلق بالإسلام مثلا - من نصوص قرآنية وسُّنـَّويَّة، ومن حوادث من السيرة، شواهد تدعم انسجام الإسلام مع ما ذكر، وشواهد أخرى تدينه في التعارض والتقاطع معها كلها أو مع بعضها. فالنصوص القرآنية والسُّنـَّويَّة على نوعين: نوع موافق ونوع مخالف مخالفة واقعية، كما يعتقد ناقدو الإسلام، أو مخالفة ظاهرية، كما أعتقد، كما إني أعتقد في نفس الوقت بوجوب إبقاء البحث مفتوحا بدون عُقـَد أو حساسيات مُسبَقة، وبدون تشنجات وتوترات، وبدون أحكام مسبقة، أو إطلاق وتعميم، وبدون وضع محظورات فكرية مسبقة، فلا تطلق أحكام الكفر والارتداد باتجاه، ولا أحكام الأصولية والظلامية بالاتجاه الآخر.

 

أرجع لأبيِّن فهمي أو تفسيري لحقيقة كون النصوص القرآنية والسُّنـَّويَّة على نوعين؛ نوع موافق للأسس التي ذكرناها، ونوع مخالف لها. فإني أجد أن الموافق لهذه الأسس هو الذي يجب أن يُعتمَد مقياسا يُعوَّل عليه. أما المخالف لهذه الأسس من النصوص والروايات الدينية، فلا يخلو الموقف منها من أحد موقفين، إما أن تـُرفـَض وتـُضرَب عرض الحائط، كما جاء في بعض روايات أئمة أهل البيت (ع)، وإما أن تـُؤوَّل إلى النوع الأول من النصوص التي تـُعتبَر بمثابة المعايير والمقاييس والمبادئ والقواعد والمنطلقات. أما إذا ثبت من قبيل فرض المحال إسلاميا، ولعله غير المحال فلسفيا، أن دينا إنما يتبنى فعلا وحقا ومن غير شك التقاطع والتنافر والتعارض مع ضرورات العقل الأخلاقية، فسيكون ذلك دليلا على عدم إمكان نسبته إلى الله. ومن هنا فمن يصل إلى هذه الحقيقة المظنونة، فينفصل عن الدين تنزيها لله عن أن يُنزل دينا يتناقض مع ضرورات العقل الأخلاقية، وهكذا بالنسبة لتعارضات أخرى مر ذكرها، فإن مثل هذا الإنسان عرف ربه حق المعرفة، ونزَّهه عما لا يليق به، ولا يجوز عقلا له، ولذا من الواجب أن يكون مستحقا لحب الله وثوابه، حتى لو وصل إلى نتيجة خاطئة في الواقع برفض دين حق، لأنه عُرض عليه عرضا باطلا، أو فهمه هو من غير أن يتحمل مسؤولية خطئه في الفهم فهما باطلا، ولأنه نفر من حيث المبدأ والمنطلق من باطل، وانجذب إلى حق، وبالتالي نفر عما هو غير رباني إلى ما هو رباني، من حيث ما ظهر له، ولو اختلف عن الواقع الذي خفي عليه، وبالتالي بنفوره عما هو غير إنساني إلى ما هو إنساني.

 

وبالنتيجة وكخلاصة للبحث، أقول إذا ما رجعنا إلى السؤال المطروح في العنوان «أيُّهُما في الدّين حاكِمٌ عَلى الآخر: وَحْيُ السَّماء .. أم عَقلُ وَضَميرُ الإنسان؟» لا بد من القول:

 

حيث لا يتأتى لكل إنسان على كوكبنا هذا، وفي عصرنا هذا، أن يؤمن بصدق رسل الله الخارجيين من البشر المرسَلين، لاسيما كونهم غير معاصرين لنا، ولكن يتأتى بكل تأكيد لكل إنسان عاقل وواع أن يُصدِّق رسول الله المرسَل إليه بشكل خاص وشخصيا من داخله، أي من لدن عقله وضميره، أو الفطرة الإنسانية التي فطره الله عليها، فعقله هو الهيئة التشريعية التي تـُشرِّع له دستور الحياة، وضميره هو المحكمة الدستورية العليا التي تراقب مدى انسجام الأجهزة التنفيذية مع المبادئ الأساسية لهذا الدستور. فبالعقل والضمير يؤمن الإنسان، وعقلـَه وضميرَه هذين يُحكمهما على مدى صدق الرسول الخارجي غير المعاصر. فقول الله تعالى: «إنَّ الـَّذينَ آمَنوا وَالـَّذينَ هادوا وَالنـَّصارَى وَالصّابـِئينَ مَن آمَنَ بـِالله وَاليَوم ِ الآخِر ِ وَعَمِلَ صالِحًا فـَلـَهُم أجرُهُم عِندَ رَبِّهـِم وَلا خَوفٌ عَلـَيهـِم وَلا هُم يَحزَنونَ»، وفي آية أخرى «إنَّ الـَّذينَ آمَنوا والـَّذينَ هادوا والصّابـِئونَ والنـَّصارَى مَن آمَنَ بـِالله واليَوم ِ الآخِر ِ وعَمِلَ صالِحًا فـَلا خَوفٌ عَلـَيهـِم وَلا هُم يَحزَنونَ» يجعل العقل الفلسفي مُوصِلا إلى الإيمان بالله كحقيقة فلسفية، وباليوم الآخر أو الحياة الثانية، أيضا كحقيقة فلسفية، لأن عدم وجود الحياة الثانية وضياع حقوق كل من ضاعت حقوقه عبر التاريخ الإنساني، بدون تعويض لهم في هذه الحياة، وعدم تدخل الخالق لتغيير هذا الواقع، يعني بالضرورة قبول الله بالظلم، وبالتالي اتصافه هو بالظلم، سبحانه وتعالى علوا كبيرا عن ذلك، وليحدد العقل للإنسان الخير من الشر، ويجعل ضميره رقيبا عليه، ليسير في خط العمل الصالح الخير الإنساني، ويجتنب السير في خط العمل السيئ الشرير غير الإنساني. وبالتالي فكل دين وكل مذهب وكل اجتهاد وكل استنباط وكل مدرسة فكرية وكل إيديولوجيا لا تنسجم مع ضرورات العقل الفلسفي أو العقل الأخلاقي المُحَسِّن والمُقـَبِّح للسلوك، أو غير منسجمة مع الضمير الإنساني، الرقيب على إنسانية الإنسان، لا يمكن أن يكون دينا أو مذهبا أو اجتهادا أو استنباطا مقبولا، أو مدرسة فكرية أو إيديولوجيا مَرضِيّة. وإذا كان للإسلام فهمان، فإني - أنا النوعي لا الشخصي كما يُعبَّر -، أدين بإسلام العقل والعقلانية والإنسانية والاعتدال والمحبة والسلام، وأدعو إليه، وأكفر بإسلام الخرافة واللاعقلانية والتطرف والعنف والتباغض والاحتراب.

 

بهذا حددنا الأسس التي أرى أن يجري تقييم كل دين، والحكم له تصديقا، أو عليه تكذيبا، أو لا له ولا عليه ترددا أو تحفظا، نتناول الإسلام كإسلام، وحقيقة تعدد المذاهب والمدارس والرؤى والاجتهادات والملل والنحل والفرق والأحزاب، بحيث نكاد لا نجد إسلاما واحدا، بل هناك ثمة إسلامات. صحيح إن الإسلام في حقيقته واحد غير متعدد، ولكن هذه الواحدية متحققة في عالم التجريد، أما في عالم الواقع، فيكون من المكابرة إنكار وجود أكثر من إسلام. أعلم إن البعض سيقول، لماذا تقول هناك إسلامات، ولا تقول هناك اجتهادات ورؤى وطرق فهم متعددة للإسلام الواحد، فأجيب بأن التفاوت يبلغ درجة من الحدة، بحيث أرى القول بوجود إسلامات هو الأكثر تعبيرا عن الواقع، من الكلام عن تعدد الاجتهادات، أو اعتبروه تعبيرا مجازيا كصيغة من صيغ المبالغة اللغوية.

 

وإذا تكلمت عن إسلامات، فدعونا نتكلم عن إسلامَين، لا بمعنى حصر التعدد في اثنين، بل تعبيرا عن وجود نوع من ثنائية ومن تقابل في كل نقطة يتناولها الإسلام. والثنائية تطرح عادة للمقارنة بين قطبين متطرفي التباعد، مع فرض وجود مساحات ودرجات متفاوتة ومتدرجة من اللون الرمادي الواقعة بين الأبيض والأسود الواقعين في أقصى كل من الطرفين. ومن الطبيعي إني عندما أتكلم عن إسلامين، فلا أتكلم عن إسلام سُني وإسلام شيعي، أو إسلام خلافة وإسلام إمامة، أو إسلام شورى وإسلام ولاية فقيه، بل يجري الكلام عن ثنائيات أخرى، كما سنرى.

 

إذن مع فرض وجود إسلامَين، فكيف نحدد الموقف منهما.

 

هنا أقول: إذا وقفت على خط الخيار

بين إسلامَين:

سأجدني

ارتددتُ عن إسلام ٍ

واعتنقتُ إسلامًا

وقلتُ: لا

لإسلام ٍ من إسلامَين

وقلتُ: نعم

لإسلام ٍ من إسلامَين

وكفرت بإسلام ٍ

وآمنتُ بإسلام ٍ

 

عن أي من الإسلامَين أكون ارتددتُ

وأيًا منهما أكون اعتنقت

وما معنى قولي أني:

أشهَدُ ألا إلهَ إلا اللهُ بـِ لا شرطٍ .. وَأشهدُ أن َّ مُحَمَّدًا رَّسولُ اللهِ بـِ شرطِ «لا».

 

ثم دعونا نرجع فنطرح التساؤل: هل هناك حقا إسلامان، وليس إسلام واحد، ولو من حيث الواقع الخارجي، أو كما يُعبَّر من حيث الظاهر، وليس من حيث الحقيقة المجردة.

 

إني بهذا الطرح أحاول أن أبلور رؤية أقدمها عن واقع القلة من المسلمين الذين اعتنقوا إسلام الحب والرفق والرحمة والسلام على ضوء «لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين أن تبروهم وتقسطوا إليهم»، وغيرها من نصوص الرحمة والسلام، وواقع أولئك المسلمين الذين اعتنقوا إسلام العداوة والبغضاء والغلظة تجاه من رأوا أنهم أعداء الحق على ضوء «وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ورباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم»، وغيرها من نصوص المواجهة العنيفة، فأقدم هذه الرؤية إلى ناقدي الإسلام الذين يعتقدون أنه دين التطرف والعنف والإرهاب، وإلى المدافعين عنه بنفي كل ذلك عنه وتنزيهه عن كل ذلك، لتصحح هذه الرؤية بتقديري ما أجده من خلل في المنهج عن الفريقين، وأعني المبالِغين - ولا أقول المتطرفين - من الفريقين.

 

دعونا ندرس سوية؛ أإسلامان هما، كما أدعي، أم هو إسلام واحد، وما هو الموقف تجاه كل من الحقيقتين المُدَّعاتـَين أو المفترضَتـَين.

 

شخصيا أقولها:

كفرتُ بإسلام ٍ واعتنقتُ إسلامًا بديلا ً عنه.

وَشهَدتُ ألا إلهَ إلا اللهُ بلا شرط .. وَشهَدتُ أن َّ مُحَمَّدًا رَّسولُ اللهِ بشرط لا.

 

وأعبر عن ذلك بقول:

«لا إكراهَ فِي الدّين ِ [وَلا في أيِّ اعتِقادٍ وَلا أيِّ التِزام، فـَالإكراهُ مَرفوضٌ وَمُدانٌ دِينِيًّا وعُقلائِيًّا وَديمُقراطِيًّا، إذ] قد تبَيَّنَ الرُّشدُ مِنَ الغَيِّ [تبَيَّنَ رُشدُ الإنسانِيَّةِ وَالعَقلانِيَّةِ مِن غَيِّ اللاإنسانِيَّةِ وَاللاعَقلانِيَّة.] فـَمَن يَّكفـُر بـِـ[إسلام ِ] الطـّاغوتِ [الظـُّلامِيِّ، وَبـِأيِّ دين ٍ ظـُلامِيٍّ آخـَرَ] وَيُؤمِن بـِـ [إسلام ِ] اللهِ [التـَّنويريِّ، أو بـِأيِّ دين ٍ تـَنويريٍّ آخـَرَ،] فـَقـَدِ استـَمسَكَ بـِالعُروَةِ الوُثقى، لا انفِصامَ لـَها وَاللهُ سَميعٌ عَليم. اللهُ وَلِيُّ الـَّذينَ آمنوا [وَتـَأنسَنوا وَتـَعَقلـَنوا] يُخرجُهُم مِّن الظـُّلـُماتِ [حَيثُ الظـُّلمُ وَالجَهلُ وَالتـَّطـَرُّفُ وَالعُنفُ وَالحِقدُ وَالإرهابُ،] إلى النـّور ِ [حَيثُ العَدلُ وَالعَقلُ وَالعِلمُ وَالاعتِدالُ وَالرِّفقُ وَالحُبُّ وَالسَّلامُ،] وَالـَّذينَ كـَفـَروا [بـِدين الحُبِّ وَالرَّحمَةِ] أولِياؤُهُم الطـّاغوتُ [، أي أئِمَّة ُ التـَّطـَرُّف ِ وَالعُنف ِ وَالإرهاب ِ] يُخرجونـَهُم مِنَ النـّور [نور ِ العَقلانِيَّةِ والإنسانِيَّةِ] إلـَى الظـُّلـُماتِ [ظـُلـُمات الجَهل وَالظـُّلم، فيكونُ مُتـَّبـِعُهُم من حَيثُ يَعلـَمُ ظـَلومًا، أو مِن حَيثُ لا يَعلـَمُ جَهولا ً، أو ظـَلومًا وجَهولا بـِمِقدار ٍ أو آخـَر.]»

 

وبذلك:

أشهد ألا إله إلا الله .. وأشهد أن محمدا رسول الله.

أشهد ألا إله إلا الله بلا «ولكن» .. وأشهد أن محمدا رسول الله، ولكن.

وأعلن ارتدادي عن الإسلام الذي كفرت به .. وتحولي إلى الإسلام الذي آمنت به.

وبالنسبة لي:

لو ثبت عدم صدق الإسلام، فلا أظن أنه سيثبت لي صدق أي دين من الأديان.

ليس تعصبا أو تطرف، بل هي رؤية مبنية على أسس عقلية فلسفية، لاكتشافي في بقية الأديان التي تعرفت عليها ما يتعارض بوضوح - حسب دراستي الأولى – مع ضرورات العقل الفلسفي، وهذا بالنسبة لي يمثل الشرط الأول لقبول أو رفض أي دين، مع كامل احترامي لأتباع تلك الديانات. بينما وجدت عدم تعارض القرآن مع ضرورات العقل الفلسفي، ولكن مع الإقرار بوجود ما قد يمثل تعارضا بحسب الظاهر مع ضرورات العقل العملي، هذا التعارض الذي لا يرقى – حسب تقديري – إلى مستوى مبرر إنكار الإسلام، في مقابل ما يؤيد صدقه بالنسبة لي، ولوجود ما يعطي فرص الخروج من إشكالية هذا التعارض، بإثبات كونه من متغيرات الإسلام المشروطة بشروط الزمان والمكان، وليس من ثوابته.

 

أرجع لأبين ما معنى أني «أشهد ألا إله إلا الله بلا شرط» من جهة، ولكني من جهة أخرى «أشهد أن محمدا رسول الله بشرط لا». أو ما معنى أني « أشهد ألا إله إلا الله شهادة قطعية»، بينما «أشهد أن محمدا رسول الله شهادة ظنية». الظن درجة من درجات العلم، ودرجة من درجات الإيمان، ولكنها لا ترقى إلى درجة القطع واليقين. والقرآن الكريم يعتبر الظن تارة بمثابة الإيمان المقبول عند الله سبحانه، والممدوح منه، بقوله تعالى: «واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون»، ولكنه تارة أخرى يدين سبحانه التعويل على الظن بقول «إن الظن لا يغني عن الحق شيئا». وهذا ليس بتناقض، فإن بلوغ العلم بالحقائق والإيمان بها بمستوى اليقين الذي يجعل صاحبه يقول ما قاله علي بن أبي طالب (ع): «لو كشف لي الحجاب لما ازددت يقينا» أمر لا يتأتى لكل إنسان. ولذا فالإيمان بدرجة الظن، لاسيما إذا كان ظنا راجحا، أي ترجح كفة تحققه على كفة احتمال عدمه، يعتبر إيمانا مقبولا، وكلما رجح احتمال صدق المُؤمَن به، كلما أوجبت السيرة العقلائية ترتيب الأثر على ذلك الظن الراجح. ودرجات الرجحان متفاوتة من شخص إلى آخر، وأعلاها الظن المتاخم لليقين، كما يُعبَّر. والإيمان بملاقاة الله - كما ورد في الآية - أي بحقيقة المعاد والحياة الأخرى، هو من ضرورات العقل الفلسفي حسب فهم الإلهيين العقليين، كونها من لوازم الجزاء (ثوابا أو تعويضا أو عقابا)، وكون الجزاء من لوازم العدل الإلهي، وكون العدل من لوازم الكمال المطلق، وكون الكمال من لوازم واجب الوجود، الذي هو نتيجة حتمية للاستدلال بأدلة قانون العلية الذي مفاده «كل وجود ممكن معلول وجوده بعلة أو مجموعة علل مباشرة، وكل تحول في ماهية كل وجود ممكن معلول تحوله بعلة أو مجموعة علل مباشرة»، ولاستحالة تسلسل العلل، واستحالة الدور. وإذا كان الإيمان بما هو من ضرورات العقل مقبولا على نحو الظن، فمن قبيل الأولى أن يكون الإيمان بما هو دونه ضرورة عقلية، أي النبوة، مقبولا على هذا النحو. نعم يمكن الوصول إلى حقيقة النبوة بطريق غير مباشر، وذلك إذا ثبت أنها الطريق الوحيد للتبليغ عن الله، وإذا ثبت أن التبليغ واجب، بدليل قبح العقاب بلا بيان، ولكن هذا مما يمكن أن يرد عليه، بكون الرسول الباطني (العقل والفطرة والضمير) كافيا ومغنيا عن الرسول الظاهري (الرسل والأنبياء)، وهذا ما يمكن تأييده من خلال الآية الكريمة: «من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون»، باعتبار أن الإيمان بالله واليوم الآخر مما يمكن للإنسان أن يصل إليه بالأدلة العقلية، دون الحاجة إلى الوحي؛ أن يصل إلى كلٍّ من حقيقة وجود الخالق، فكماله، فعدله، فجزائه، فاليوم الآخر. أما العمل الصالح فهو نتاج هذا الإيمان، ونتاج العقل العملي والوجدان والضمير والفطرة الإنسانية التي فطر الله الإنسان عليها، أو نتاج أحدهما. ولكن لوجود كمٍّ هائل من الحجج والأدلة بحسب تقدير المؤمنين، يجدون أنفسهم مُلزَمين بالإيمان برسلهم (إيمان المسلمين بمحمد، والمسحيين بعيسى، واليهود بموسى، والصابئة بيحيى) وبكتبهم المقدسة. أما عدم التناقض الذي ادعيته بين قبول الإيمان الظني من جهة، وذلك حسب قوله تعالى: «واستعينوا بالصبر والصلاة، وإنها لكبيرة إلا على الخاشعين، الذين يظنون أنهم ملاقوا ربهم وأنهم إليه راجعون»، ورفض الظن من جهة أخرى بناءً على قوله عز وجل: «إن الظن لا يغني عن الحق شيئا»، ففي الثانية يكون الظن مرفوضا في وقوف الإنسان أمام حقيقتين؛ أما حقيقة ظنية، وأخرى يقينية، التي عبر عنها بلفظ «الحق» في هذه الآية، أن يرجح الظني على اليقيني، وهذه قاعدة ليست فقط قرآنية، بل عقلائية ومنطقية.

 

وهذا يفسر معنى قولي أني «أشهد ألا إله إلا الله شهادة قطعية»، بينما «أشهد أن محمدا رسول الله شهادة ظنية». وإيمان العقلاء من المؤمنين هو في الغالب إيمان ظني، إلا ما يَصِلون فيه إلى قناعة واضحة بأنه من ضرورات العقل، وهذا الاعتبار نسبي ومتفاوت. والإيمان القطعي هو في الغالب إيمان التعصب والتطرف والاتباع الأعمى، ولذا فهؤلاء ولكونهم ينأون عن المنهج العقلي والعقلائي، تجدهم يعيشون عقدة مستأصلة محتقنة بالكراهة تجاه من لا يؤمن بكل تفاصيل ما يؤمنون به. بينما الإمام جعفر بن محمد الصادق (ع) لم يكن يملك عقدة تجاه محاوريه من الزنادقة، أي الملحدين، أو المنكرين للدين على أي نحو.

 

ولكن ما معنى قولي أني «أشهد ألا إله إلا الله بلا شرط، وأشهد أن محمدا رسول الله بشرط لا». هذا ما سأحاول تبيينه هنا.

 

كوني «أشهد ألا إله إلا الله بلا شرط»، له علاقة بكون هذا القِسم من الإيمان، هو إيمان يقيني قطعي، على أقل تقدير بالنسبة لي، ولمن يرى مثلي أنه يمثل ضرورة عقلية، أي من ضرورات العقل الفلسفي أو العقل النظري، لا العقل الأخلاقي أو العقل العملي، وما يُؤمَن به بمستوى اليقين، لا يكون إيمانا مشروطا بأي حال من الأحوال. أما كوني «أشهد أن محمدا رسول الله بشرط لا»، فله معنيان، الأول هو كونه إيمانا ظنيا، فهو بالتالي ليس إيمانا غير مشروط كالأول، بل مشروط، أما لماذا مشروط بنفي أشياء معبَّرا عنها بـ «لا»، وذلك بقول «بشرط لا»، فهذا ما سأبينه بإذن الله عز وجل وتسديده.

 

كما ذكر، شئنا أو أبينا، فإننا عندما نتكلم عن الإسلام، لا نجد إسلاما واحدا بأي حال من الأحوال. وهناك ثنائيات متعددة، أستثني منها الثنائية المعروفة، وهي ثنائية الإسلام السني والإسلام الشيعي، بل أتحدث عن ثنائيات أخرى على النحو الآتي:

 

إسلام الجوهر             إسلام الشكل

إسلام الاعتدال            إسلام التطرف

إسلام الديمقراطية        إسلام الاستبداد

إسلام الحاكمين           إسلام المحكومين

إسلام ثقافة الحياة         إسلام ثقافة الموت

الإسلام المنفتح            الإسلام المنغلق

الإسلام الديناميكي        الإسلام المتقولب

إسلام التحابّ             إسلام التباغض

إسلام السلام               إسلام الحرب

الإسلام المسالمة          الإسلام العدوانية

إسلام الإنسانية            إسلام اللاإنسانية

إسلام الرفق               إسلام العنف

إسلام بر الآخر           إسلام إرهاب الآخر

إسلام العقلانية            إسلام اللاعقلانية

إسلام الاختيار الحر      إسلام الإكراه

إسلام العدالة              إسلام الظلم

إسلام المساواة            إسلام التفاضل

الإسلام المدني            الإسلام السياسي

الإسلام المعاصر         الإسلام السلفي

إسلام القيم                 إسلام الأحكام

إسلام حب الجمال        إسلام بغض الجمال

إسلام مكارم الأخلاق     إسلام أراذل الأخلاق

إسلام الحكمة              إسلام غياب الحكمة

إسلام الشفافية             إسلام الباطنية

إسلام الله                   إسلام جُلّ الناس

إسلام بناء الحياة                   إسلام هدم الحياة

إسلام النظم                إسلام الفوضى

إسلام الذوق               إسلام انعدام الذوق

إسلام العقل                إسلام الخرافة

 

وهنا يأتي معنى «أشهد أن محمدا رسول الله بشرط لا»، وبالتالي «أشهد أن القرآن كتاب الله بشرط لا»، أو أعم من ذلك «أشهد أن الإسلام دين الله بشرط لا». أي بشرط ألا يكون الإسلام من النوع الثاني، عندها فقط أعتقد أنه دين الله، وأن كتابه هو كتاب الله، وأن نبيه هو رسول الله. هذا يعني لو سلمنا من قبيل فرض المحال، وإن كانت استحالته نسبية، إذ هناك من لا يرى أن هذا الافتراض محال، لو سلمنا أن الإسلام بحقيقته هو من النوع الثاني، فسيكون هذا عندها دليلا بينا دامغا بأن الإسلام نتاج اجتهاد بشري، أصاب في أشياء، وأخطأ في أشياء أخرى، وعندها سنقف منه موقف المُقوِّم الموضوعي والباحث المتجرد، فينصفه في نقاط قوته وإيجابياته، ويقبلها ويتبناها ويعتمدها، وينقده في نقاط ضعفه وسلبياته، ويرفضها.

 

وموقف الناس، سواء المؤمنين بالإسلام والملتزمين به، أو الشاكـّين به وغير الملتزمين به، على عدة أنحاء:

 

  1. فريق يرى أن الإسلام هو من النوع الأول ويلتزم به.

  2. فريق ثان يرى أنه من النوع الأول، ولا يلتزم به، لأنه إما يرى دينا آخر أرجح منه، اعتنقه وراثة أو قناعة ذاتية أو وراثة وقناعة، أو تحولا بقناعة، أو لا يرى وجوب الالتزام بدين، أو يكون ممن يعيش ازدواجية الجمع بين الإيمان، وعدم الالتزام بما يؤمن به، أو من لا يرى تلازما بالضرورة عنده بين الإيمان والالتزام.

  3. فريق ثالث يرى أنه من النوع الثاني، ومع هذا يلتزم به، متوهما أن ذلك يمثل دين وإرادة الله، وما عليه إلا التسليم له، فيعيش الكراهة تجاه الآخرين متقربا إلى الله تعالى بكراهته.

  4. فريق رابع يرى أنه من النوع الثاني، فيرفضه، معتقدا أن ذلك لا يمثل وحي الله، بل يمثل تأليف إنسان ادعى النبوة، من أجل إصلاح المجتمع، ولذا لا يرى هذا الفريق نفسه مُلزَما باتباعه.

 

وإني شخصيا أنتمي إلى الفريق الأول، وأفترض أن الإسلام هو من النوع الأول، ولو تبين لي خلاف ذلك، لثبت عدم إلهية هذا الدين، ولاهتديت إلى الارتداد عنه، حاشا للإسلام. وفي هذا أواجه - لا بشخصي ولكن أواجه أنا النوعي - رفضَين لهذا الانتماء، أحدهما من الفريق الثاني، الذي يتفاوت أفراده بالحكم على الفريق الأول حسب درجة التطرف، ما بين من يخطئ منهم فهمنا للإسلام بما نفهمه، وربما يعتبرنا متأثرين بالثقافة الغربية، وبين من يعتبرنا من الفريق الثالث مرتدين عن الإسلام، أو بتعبير آخر يُكفـِّرنا بالحرف الواحد، ويهدر دماءنا. ثم أواجه رفضا ثانيا من الفريق الرابع، وهذا يتفاوت بين من يصدقنا في طرحنا الإنساني والعقلاني، المعتدل والديمقراطي، ولكنه يقول أفكاركم جميلة، ولكن الإسلام بحقيقته هو إسلام التطرف والعنف وإسلام ثقافة كراهة الآخر، وبين من يعتبرنا كاذبين نركب موجة الديمقراطية، لنصل كسائر الإسلاميين إلى مآربنا من خلال الديمقراطية، ثم ننقلب عليها، وعليهم، وعلى كل الحريات، وعلى كل حقوق الإنسان. ولا أنفي وجود مساحة واسعة من الإسلاميين ممن يصدق عليهم هذا الحكم، ولكن الذين يعممون ويطلقون هذه التهمة يقعون في تناقض مع أسس العلمانية والليبرالية اللتين يفترض أنهم ينتمون إليهما، ومن هذه الأسس العقلانية التي من لوازمها الموضوعية، والتي من لوازمها عدم التعميم والإطلاق. ولكني أتفهم لبعض من هؤلاء، إذا ما كانوا ينطلقون من تعميمهم من تجربة ذاتية، ولكن حتى تعميم التجربة الذاتية لا تبرر التعميم والإطلاق.

 

ولكن بعيدا عن تقييم الفريقين الثالث والرابع، أحب أن أقول كلمة لكل من الفريقين:

 

أقول للفريق الثالث: نحن لا نستخدم ثقافة التكفير، ولا نقول أنكم لستم مسلمين، لأنكم لا تؤمنون بالإسلام الذي نؤمن نحن به، وإنما أقول لكم: يا أيها المسلمون الذين فهمتهم إسلامكم على هذا النحو، لا نفهم الإسلام كما تفهمون، ولا تفهمون الإسلام كما نفهم، ولن نفهم الإسلام كما تفهمون، ولعلكم لن تفهموا الإسلام كما نفهم، لكم إسلامكم ولنا إسلامنا.

 

أما الفريق الرابع، فأقول لهم، ربما أستطيع أن أدخل معكم في سجال طويل، وآتي لكم بكل الحجج والأدلة على صحة هذا النوع من الفهم للإسلام، وأناقش كل النصوص وكل حوادث السيرة النبوية أو التاريخ الإسلامي، لأثبت لكم تارة إما عدم صحة رواية ما، أو إمكان فهم نص على غير ظاهر المعنى، وذلك على ضوء النصوص الأخرى، وفي النهاية إما سأقنع بعضكم بحقيقة ما يتبناه الإسلام، أو أجعل البعض الآخر حتى مع عدم قناعتهم التامة سيحترمون كوننا، نحن دعاة هذا الفهم، إنما نبني قناعاتنا وفهمنا على قاعدة رصينة متينة، ولا ننطلق منها من فراغ، أو من رغبة في ليّ النصوص إلى حيث ما نرغب ونحب، وربما لا أنجح في هذا البحث، بل يقودني شخصيا إلى قناعة جديدة.

 

ثم وحيث أنه لا يوجد يقين مطلق بنسبة المئة بالمئة، أقول لكلا الفريقين، أن الإسلام إذا ما كان في حقيقته هو ما يفهمه الفريق الثالث، فسيكون ذلك بالنسبة لي دليلا على عدم إمكان نسبة الإسلام إلى الله سبحانه وتعالى علوا كبيرا عما يصف المتطرفون والعُنفيون والإرهابيون، وتعالى علوا كبيرا عما يصف المخرِّفون والمشعوذون. عندها سأكفر بهذا الإسلام معاذ الله. ولكن حيث أن هناك ظنا راجحا جدا، وبأدلة قوية وكثيرة، بصدق القرآن، وصدق نبوة محمد (ص)، وصدق الإسلام، وبما أن هناك - على فرض وجود إسلامَين اثنين - ما يدعم مقولة الإسلام الإنساني والعقلاني، أو الإسلام المدني في مقابل الإسلامَين السلفي والسياسي، حسب تقسيم الكاتب أحمد القبانجي، لا أملك إلا أن أعتنق هذا الإسلام، والساحة الإنسانية تتسع لكل أنواع الفهم وكل الأديان والمذاهب والعقائد والإيديولوجيات والثقافات، شرط التزامنا بأمرين؛ بقواعد العقلانية، وبمثل الإنسانية، عندها كن أنت ما تكون، ولأكن أنا ما أكون، ولن تكون هناك مشكلة بيننا، إن شئتَ حاورتـَني، وإن شئتُ حاورتـُك، وإن شئنا ترك كل منا الآخر على قناعته وانتمائه، ولوازم كل من تلك القناعة والانتماء.

 

وأختم هذه الحلقة الأخيرة بقاعدة عقلية مستوحاة من الحديث الشريف:

 

«إنما الأعمال بالنيات»

= ثواب العمل بحسب دوافعه

 

لأقول:

 

«إنما القناعات بالمنطلقات»

= قبول الإيمان بحسب منطلقاته

 

وكما إنه إذا معيار تقييم العمل هو النية والدافع. فإن معيار الاعتقاد والإيمان والاقتناع بأية قناعة هو المنطلقات التي قادت إلى ذلك الإيمان وتلك القناعة. فإذا سلمت المنطلقات، أثاب الله عليها، حتى لو أخطأ صاحبها في النتائج، باستثناء ما فيه ظلم للناس واعتداء عليهم.

 

أخيرا أسأل الله، أن يعيننا، ليكون العقل من يصوغ أفكارنا، والضمير من يرسم مسارنا.

أن يكون العقل من يعلمنا الكتاب، والعقلانية من تعلمنا الحكمة، والإنسانية من تزكينا.

وآخر قولي أن الحمد لله الكامل المطلق العادل الرحيم الحكيم العليم القدوس السلام المؤمن.

 

27/02/2007

 

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::