كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء .. محاولة لفهم من زاوية أخرى

«كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء». تروى هذه المقولة عن الإمام الصادق (ع)، وبقطع النظر عن سندها، وعما إذا كانت حقا قد صدرت عن الإمام الصادق (ع) أو عن أي من أئمة أهل البيت (ع)، أحب هنا تناول المضامين الحقيقية لهذه المقولة، والتنبيه إلى الخلل في الفهم الذي راج ورُوِّج عن مضامينها. وأبدأ بنفي معنيين شاع تناولهما أو التعامل مع المقولة على أساسهما أو أساس أحدهما، ثم نبحث بعد ذلك عن الفهم أو بعض الفهم مما يراد منها:

  1. الاستغراق في ثقافة البكاء، وجعل السَّـنة القمرية (الهجرية) بأيامها الثلاث مئة وأربعة وخمسين، أي علاوة على العاشر من محرم طوال سائر أيام السنة بدءً من الحادي عشر من محرمِّ كلِّ سنة حتى التاسع من محرمِّ السنة التالية لها؛ جعلـُها كلـِّها أيام عزاء وبكاء وندب ولطم، ولعله بما في ذلك أيام العيد، وتحويل البيوت والمدارس والجامعات والمؤسسات الحكومية والشوارع والحدائق؛ تحويلها كلها إلى حسينيات يقام فيها العزاء على الحسين وسائر أهل البيت (على النبي وعليهم أفضل الصلاة والسلام).

  2. تحويل كل الساحة المكانية (كل أرض كربلاء) وكل الساحة الزمانية (كل يوم كربلاء) إلى سوح مواجهة عنيفة وأنهار دماء وميادين مشروع اسشتهادي، على نحو تتحول فيه الشهادة إلى حالة استهوائية أكثر مما هي تعبير عن رسالة ذات غاية سامية.

 

إذن إلم يكن هذا هو المراد استيحاءه من معنى أن «كل يوم عاشوراء وكل أرض كربلاء»، إلم يكن البكاء والاستشهاد هما العنوانان الكبيران اللذان نستوحيهما من هذه المقولة، فما هو المعنى المطلوب؟ هنا أجيب بأنني لا أريد نفي هذين المعنيين الكبيرين عن هذه المقولة الخالدة، وإنما أقول نريد أن نفهمهما فهما أكثر عمقا مما هو شائع لدى الكثيرين منا من فهم، ثم نريد أن نكتشف فيها معاني أخرى إلى جانبهما.

 

ولنبدأ بعاطفة الحزن والبكاء، فأقول لا يمكن أن تكون الدعوة صحيحة إلى إلغاء مدرسة البكاء على الحسين (ع)، وهي تلك المدرسة التي أسسها معصومون بحسب عقيدتنا، بدءً بالمصطفى (ص) الذي أقام العزاء على عمه الحمزة (رض) بعد أحد، ومرورا بعلي بن الحسين السجاد (ع)، الذي كان أول من أقام مجلس عزاء على أبيه الحسين (ع). والعاطفة عموما بصورتها الإيجابية تمثل تجسيدا حيا لإنسانية الإنسان، فمن لا يعرف كيف يبكي، هو من لا يعرف أن يترجم إحساسه بإنسانيته، أو لعله هو من فقد ذلك الإحساس بإنسانيته. ولكننا نقول إن العاطفة عندما تكون مطلوبة، وبالتالي عندما يكون البكاء والحزن مطلوبين، فلا بد من أن تكون العاطفة عاطفة واعية، لا يغيب عنها العقل ليمسك بزمامها، ويحفظ لها توازنها ووقارها، ويحولها إلى إرادة ورسالة. ثم إذا كانت العاطفة مطلوبة باعتبارها الوجه الثاني من المحتوى الداخلي للإنسان، الذي وجهه الآخر هو العقل، لا بد أن تكون العاطفة مطلوبة بكل ألوانها، وغير منحصرة في عاطفة البكاء والحزن فحسب، أي أن تعبر عن نفسها بما في ذلك بعاطفة الفرح، وإلا لما كان معنى لأن يكون إدخال السرور والفرح إلى قلوب الآخرين بمثابة العبادة، وبمثابة العمل الصالح الذي يستحق صاحبه الثواب أضعاف ما يستحق العبد من ثواب على حسن عبادته، وأعظم ثوابه هو أن يدخل الله السرور إلى قلب من يدخل السرور إلى قلوب عباده. إذن الاستغراق في البكاء، وجعل ساحات الحياة المكانية والزمانية كلها ساحات عزاء وحزن وبكاء أكيدا ليس هو المطلوب أن يكون ترجمة لمقولة «كل يوم عاشوراء، وكل أرض كربلاء»، لا سيما إذا فهم البكاء أنه مطلوب لذاته، من غير وعي لعمق رسالته وفلسفته الإنسانية العظيمة. ثم الحزن الإيماني لا يمكن أن يكون حزنا إيمانيا، ما لم يحفظ فيه التوازن والوقار، مهما كانت الدمعة ساخنة، والقلب محزونا، فإن هيستيريا الحزن وهيستيريا البكاء وهيستيريا العزاء ليس من الحزن الإيماني في شيء، ومن قال أن الهيستيريا مرفوضة باستثناء الهيستيريا من أجل الحسين (ع)، نقول له لو كان ذلك صحيحا، لكان أئمة أهل البيت (ع) في طليعة المتهسترين وأئمة الهيستيريين وروّادَهم وقـُدواتِهم في الهيستيريا من أجل الحسين (ع)، حاشا لهم وجلوا عن ذلك.

 

أما أن يعيش الإنسان هاجس الشهادة من أجل القيم التي يحملها رسالة في حياته، ومن غير شك أن أسماها قيم رسالة الله وأمانة الاستخلاف، فلا يعني أن عليه أن يركض وراء الشهادة بمناسبة وغير مناسبة، بل الأصل في أن الإنسان مكلف بحفظ حياته، لأن حياته تمثل نعمة الله عليه التي لا يجوز له أن يفرّط بها من غير أن يكون ما هو أهم وأغلى منها، ولأن الطاقات التي وهبها الله له إنما هي عطاءات الله له التي عليه أن يوظفها من أجل خير الإنسانية ليرتفع إلى مقام خير الناس، الذين هم أنفعهم للناس كما في الحديث الشريف، أي أكثرهم إنفاقا للإنسانية مما رزقهم الله من طاقات، ومَلـَكات، وفرص، وسِنيّ عُمر. نعم عندما تكون أمام الإنسان قضية هي أغلى من كل وجوده، لا يجوز أن يبخل بوجوده ليقدمه كله من أجل أن تحيى تلك القضية، وهذا هو الدرس الأبلغ لكربلاء الحسين (ع). ثم هناك معنى آخر للاستشهاد، وذلك هو الاستشهاد المعنوي الذي يحمله صاحب رسالة التصحيح والإصلاح، عندما يرى نفسه في موقع يؤهله ويكلفه في آن واحد للضلوع بثورة ثقافية، فيتحدى الذبح المعنوي بسيف التكفير لأسرى الموروث الثقافي وعبدة المشهور المعرفي، سواءً كان تكفيرا كليا أو جزئيا، صريحا أو ضمنيا، بلسان المقال أو بلسان الحال.

 

إذن أن تجعل ميادين حياتك كلها كربلاء، وأشواط عمرك كلها عاشوراء، لا يعني أن تـُلوّن الحياة كلها بدفق الدماء، أو تغرقها بسيل الدموع، بل أن تعيش قلق التصحيح والإصلاح، وقلق البحث عن مواقع يزيد في كل ساحات وميادين الواقع، وأول ميدان هو نفسك التي عليك أن تغور إلى عمق دواخلها لتفتش فيها عن أي موقع من مواقع يزيد قد يكمن في زاية خفية من زواياها، لتطارده هناك وتستأصله، وهكذا في كل ساحات الحياة، دون أن يعني أن المطلوب استئصال كل ما ترى مجانبة للصواب في الحياة، لأن الصواب والخطأ في أغلب الأمور نسبي، وأكبر الأخطاء هو استخدام العنف في استئصال ما يخالفك من غير مبرر معقول للعنف. فليس المطلوب أن تتخذ المواجهة وعملية التصحيح صيغة عنيفة ودموية واستشهادية دائما، لأن الأصل هو المسالمة وحفظ النفس، وإلا لما جعل الله حلقة واحدة فقط من مجموع اثنتي عشرة حلقة نؤمن بعصمتها (الرسولص والأئمة من عليع حتى الحسن بن علي الثانيع)، تتخذ وحدها دون الحلقات الأخر بُعدا استشهاديا. فهذه الحلقة بقدر ما تمثل مدرسة خالدة، تمثل من جهة أخرى استثناءً للقاعدة، ولا يكون الخروج من القاعدة إلى الاستثناء إلا بمبرر قطعي أو يكاد يكون قطعيا. بل عملية التصحيح والإصلاح تتحرك تارة في ميدان الثقافة والمعرفة، وأخرى في ميدان التربية الأخلاقية، تارة في السياسة، وأخرى في العمل الاجتماعي، وهكذا، وتارة تتخذ منحى حادا من الصراع، وأخرى تكون بصيغة منافسة نزيهة عادلة وعقلانية وموضوعية، أي بمصطلح العصر بصيغة منافسة بآليات الديمقراطية. ولعلنا كمتدينين أو بالمصطلح السياسي كإسلاميين، إذا أردنا اليوم أن نكون حسينيين بمعنى جديد للحسينية، لعلنا نحتاج إلى عملية إصلاح داخلية في أوساطنا ومواجهة مع ذواتنا، أكثر من حاجتنا إلى إصلاح للمحيط من حولنا ومواجهة مع الآخر، وذلك عملا بقاعدة أن فاقد الشيء لا يعطيه بأي حال من الأحوال.

 

03/02/2006 (4 محرم 1427)

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::