مع عبد الوهاب القريشي والعلمانية والدين والدولة
ضياء الشكرجي
قرأت مقالة الأستاذ القريشي، فبادرت بكتابة رسالة إلى صديقي صاحب كتابات، ضمنتها رسالة إلى الكاتب المحترم، ثم رأيت فيها ما ينفع نشره، فأرسلتها للنشر دون أن أغير صياغتها كرسالة.
بسم الله الرحمن الرحيم
عزيزي أبا طارق
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
كما تعلم إني لا املك الوقت لقراءة الكثير مما يكتبه الكتاب المحترمون، لكن أحيانا يجذبني عنوان ما، أو أي سبب يجعلني أقرأ بعض ما يكتب، وقد جذبني عنوان (ما العلاقة بين العلمانية والدين والدولة؟) للكاتب عبد الوهاب القريشي. وقرأت مقالته باهتمام وشوق، ولكون المقالة خالية من عنوانه الألكتروني، أحببت أن أوصل إليه هذه الكلمات من خلالك، فتضل علي وكلك فضل مع تحياتي.
عزيزي الأستاذ عبد الوهاب القريشي المحترم
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
إذا كنت لا أعرفك، فأكيدا ليس لقلة شأنك، بل لعيب فيّ في عدم متابعتي الدقيقة لما يكتب، ولم أقرأ لك من قبل، ولا أدري كم أتفق معك في سائر ما تكتب، وكم تتفق أنت معي، إذا كنت قد قرأت لي شيئا. لكني وجدت مقالتك تنطبق كليا مع رؤيتي في هذا الموضوع. وأحببت أن أضيف بعض ما كنت قد طرحته في ثنايا بعض مقالاتي، وهو أن الإسلام الأصولي المتطرف والمتعسف والجامد والإقصائي هو الإسلام السلطوي الذي أسسته السلطة المستبدة عبر قرون من الزمن خلال حكم الأمويين والعباسيين والعثمانيين وسائر المستبدين باسم الدين. وما جعل هذا النوع من الإسلام يتسرب إلى من يدعون الانتماء تاريخيا وولاءً إلى مدرسة أهل البيت (ع) أمران. الأول إن الكثير من إسلام السلطة قد تسرب حتى إلى عقول حملة إسلام المعارضة – إذا صح الاصطلاح -، لأن السلطة امتلكت الآليات التي جعلتها قادرة على صياغة ثقافة المسلمين لقرون من الزمن، مما لا يمكن حتى لخصومها أن يتحصنوا منه تمام التحصن. الشيء الثاني أن الإسلام السياسي الحديث نشأ منتميا تاريخيا إلى مذاهب إسلام السلطة، وهؤلاء استعاروا من حيث يشعرون أو لا يشعرون مفاهيم إسلام السلطة رغم أنهم مثلوا إسلام المعارضة بسبب الانتماء التاريخي لمذاهب إسلام السلطة وبالتالي التثقف على مفاهيم وعقائد وأحكام ذلك الإسلام. وعندما أسس الشيعة أحزابهم الإسلامية كانوا متأثرين بمن سبقهم من إخوانهم السنة، فاستعاروا منهم من حيث لا يشعرون الكثير من مفاهيم ما أسموه بالإسلام الحركي، فكانت ثقافتهم ثقافة قطب والبنا والمودودي والنبهاني ويكن. ثم جاءت صدمة توهم اكتشاف الذات أو صدمة توهم العودة إلى الهوية المغيبة في عهود انعدام الوعي وانعدام الهوية، من جراء تغييب ذاتي بحكم غياب الوعي، أو تغييب غيري بحكم ما يسمونه بالمؤامرة، التي لا أؤمن بها إلا بشكل محدود جدا، لأن العيب حتى مع فرض وجود المؤامرة يكمن دائما في المتآمَر عليه، لقابليته على تمرير المؤامرة عليه، أو على أن يكون ربما أداة لتمرير تلك المؤامرة، إن وجدت حقا. فالعلمانية بهذا المعنى هي العلمانية التي تدعو إليها الإسلامية المتنزهة عن السلطوية، التي اكتشفت الإسلام في العمق وفي الجوهر، وذلك ببعده الإنساني والعقلاني، وبجوهره الديمقراطي، وعلمانيته في التعاطي مع الواقع المتنوع، مع احتفاظه بحق الدعوة إلى نفسه بالحكمة والموعظة الحسنة وترك خيار الاستجابة أو عدم الاستجابة، سواء نبعت عدم الاستجابة من معصية لله، أو وعي بعدم جدارة الإسلاميين، أو عدم فهم لبرامجهم ورؤاهم، أو لقناعتهم أن غيرهم أنفع للإسلام وللوطن، أو قل أقل ضررا على الإسلام والوطن.
مع تحياتي وتقديري.
المخلص: ضياء الشكرجي
19/06/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::