الحرب الإسرائيلية على لبنان وإيحاءاتها
ضياء الشكرجي
d.sh@nasmaa.com
تمهيد
الحرب العدوانية الإسرائيلية على لبنان من قضايا الساعة الساخنة في عالمينا العربي والإسلامي وعموم كوكب الأرض. ولا بد من استثمار هذه الفرصة لتناول مجمل القضية بالدراسة المستفيضة الشاملة للمشكلة بكل حيثياتها، ومنظورا إليها من شتى الزوايا، بعيدا عن عواطف الإدانة تجاه ذلك الجانب، أو عواطف التعاطف تجاه هذا الجانب. من هنا سأحاول تسليط الضوء وفقا لرؤية من الرؤى، التي أتبناها شخصيا، ولا أستبعد أن يكون لها ساحة واسعة من التأييد والتبني، إلم يكن مئة بالمئة فبنسبة يعتد بها. فهي رؤية من الرؤى، وأكيدا ليست الرؤية الوحيدة، وهي رؤيتي شخصيا، ولكن بمقدار يزيد ويقل رؤية الكثيرين غيري، من عراقيين وغير عراقيين.
ومن الضروري أن تشمل دراسة القضية كل عناصرها الداخلة فيها، المحلية والدولية، المؤثرة فيها أو المتأثرة بها، وأهم عناصرها هي:
- فلسطين
- إسرائيل
- لبنان
- العالم العربي
- عالم المسلمين
- العراق والعراقيون
- أمريكا
- عموم العالم الغربي
بسبب طول البحث كان من المرجح نشره على شكل حلقات، ولكن لكون قراءة جزء من الموضوع يمكن أن يعطي انطباعا غير دقيق في حقيقة المتبنى من التحليل والموقف. من هنا أستميح القارئ عذرا لطول المقالة، آملا من المهتمين أن يتابعوا معي محطات هذا البحث بصبر وتأمل.
كثر الكلام عن الحرب الوحشية التي شنتها إسرائيل ضد لبنان، وتباينت المواقف بين من هو متعاطف كليا مع حزب الله، ومن هو متحفظ، ومن هو ناقد، ومن هو مدين. وشخصيا كتبت في بداية الأزمة، ولعل البعض لم يفهم موقفي الناقد بشكل حاد لحزب الله. وربما يرى البعض أو كثيرون هم الذين قد يتبنون هذه الرؤية، هو أن العدوان وبهذه الدرجة من الشراسة والوحشية والدموية والدمار لا ينبغي أن يسمح لأحد بتوجيه نقد لحزب الله، بل المطلوب الاصطفاف معه مؤيدا أكمل التأييد ومتعاطفا أتم التعاطف، ومدينا في نفس الوقت للعدوان الإسرائيلي أقصى درجات الإدانة.
لا أحد يختلف في وجوب إدانة وحشية ودموية العدوان الإسرائيلي على لبنان شعبا وأرضا واقتصادا وبنى تحتية. فإسرائيل باعتبارها مرتكب هذه المجزرة الفظيعة وهذه الجريمة الإنسانية لا يمكن إلا أن تدان، وليس من شيء يمكن أن يمنح إسرائيل أي مبرر لارتكاب هذه المجزرة وهذا التصعيد الرهيب والقسوة اللامتناهية والتدمير الشامل واللاإنسانية اللامحدودة. وهذا النهج ليس جديدا على إسرائيل، فما زالت كل تلك المجازر شاخصة في ذاكرة الشعوب، ابتداءً من مجزرة دير ياسين، ثم مجزرة صبرا وشاتيلا، ثم مجزرة قانا الأولى، فمجزرة قانا الثانية، وغيرها من المجازر الرهيبة في كل المسلسل الدموي لسيرة إسرائيل من نشأتها حتى يومنا هذا.
لكن إدانة إسرائيل لا يعني وجوب التأييد لحزب الله، وحتى الظرف الحساس للعدوان لا يبرر السكوت عن مسؤولية حزب الله عما حل بلبنان من كارثة، قد لا تقل عن مسؤولية إسرائيل، حتى لو اختلفت النوايا، لأن الذي يهمنا هي النتائج الآنية والمستقبلية وعلى جميع الأصعدة. فوجوب إدانة إسرائيل في عدوانها هذا لا يبرئ ساحة كل من حزب الله وأمينه العام حسن نصر الله، وإيران ورئيسها أحمدينژاد ومرشد ثورتها خامنئي، وسوريا ورئيسها بشار الأسد. فكلهم مسؤولون عن هذا التصعيد، وبالتالي عن هذا الدمار الذي حل بلبنان، وهذا الخطر الذي يحف بالمنطقة، وهم أنفسهم المشاركون الأساسيون في المسؤولية عن الكوارث التي حلت بالعراق.
فمع إدانة العدوان الإسرائيلي يجب أن يقال أن حزب الله وأمينه العام لا يمكن أن يملكا حق وصلاحية اتخاذ قرار الدخول في حرب مفتوحة كما عبر الأمين العام للحزب في بداية الأزمة نيابة عن لبنان وشعب لبنان، من غير الرجوع إلى شرعية الدولة اللبنانية. فالدولة بمؤسساتها الدستورية من پرلمان وقيادة عامة للقوات المسلحة هي التي تتخذ قرار الاستفزاز أو عدمه، وهي التي تتخذ قرار الموقف البطولي الاستشهادي، أو قرار عدم الرد واللجوء إلى الشرعية الدولية، أو حتى قرار موقف الجبن والتخاذل، إذا حسبت حساباتها ورأت أن قرار تخاذل الوطن قد يكون أقل ضررا من قرار استشهاد الوطن. وأيا كان قرار الدولة، إذا اتخذ بالآليات المعتمدة دستوريا وديمقراطيا، سيكون القرار محترما، وتتحمل الدولة أو مؤسساتها المعنية بالقرار مسؤوليته أمام شعبها وأمام التاريخ. أما أن ينفرد حزب، بل زعيم ذلك الحزب بهذا القرار، فهذه سابقة خطيرة جدا، لا بد أن نرفضها بكل شجاعة مهما تصاعدت حمى العواطف الوطنية والقومية والإسلامية.
ثم إسرائيل بعنجهيتها ووحشيتها وغرورها ودمويتها واستخفافها بكل القيم والأعراف بهذه الطريقة، عندما أرادت أن تضع نهاية لحزب الله وتنزع سلاحه وتدمر بناه التحتية، يبدو إنها ستؤدي بغبائها إلى عكس النتيجة المعلن تطلع الوصول إليها، لأنها صنعت من حزب الله بطلا أسطوريا، فحتى لو أنهته عسكريا، فإنها منحته فرصة تاريخية لينتصر معنويا. وسيفرح الكثيرون بالانتصار الحقيقي الميداني، أو حتى الانتصار المعنوي لحزب الله، لأنه لقن أو سيلقن إسرائيل درسا بليغا. ولكن هؤلاء الفرحين بنصر حزب الله غفلوا عن نتيجة رهيبة تنتج عن هذا الانتصار، وهو أنه ليست القضية هي قضية انتصار الأمة على إسرائيل، بل هي قضية انتصار التطرف والأصولية، وهو ليس انتصارا على إسرائيل بقدر ما سيشكل انتصارا على الديمقراطية والحداثة والاعتدال والعقلانية، وهذا ضرره على شعوب المنطقة وعلى مستقبلها وعلى مشروع التحول الديمقراطي والتقدم والرقي والسلام المجتمعي، سيكون على المدى البعيد أشد بكثير من ضرر إسرائيل.
ثم هل ينسى العراقيون عداء حزب الله ونصر الله للعراق والعراقيين؟ ألم يكن نصر الله داعية المصالحة بين القوى السياسية العراقية الوطنية وجزار الشعب العراقي صدام، ليبقى صدام متسلطا على رقاب العراقيين، ويصفي حزب الله وحليفاه إيران وسوريا حساباتهم مع أمريكا على حساب الشعب العراقي؟ وهل نسي المعتدلون أن حزب الله هو مشروع من أكبر واخطر مشاريع التطرف؟ وهل نسي الديمقراطيون أن مشروع حزب الله المعتمد لمبدأ ولاية الفقيه هو على النقيض من المشروع الديمقراطي؟ وهل نسي شيعة العراق أن حزب الله حليف كل الأصوليين الإسلاميين المتعاطفين مع جزاري الشعب العراقي من التكفيريين السلفيين؟ وهل حزب الله إلا حليف إيران وسوريا، اللتين أضرا بأمن واستقرار العراق وبمشروعه الديمقراطي أيما إضرار، حتى غدا المشروع كله مهددا؟ اليوم تصطف أطراف كحزب الله، وحماس، وإيران، وسوريا، والقرضاوي رائد الأصولية المتطرفة والطائفية المقيتة، والظواهري، بدعوى مواجهة العدو المشترك ألا هو إسرائيل، أو إسرائيل وأمريكا.
بقطع النظر عن ضرورة اتخاذ الشعوب والأمم موقفا إنسانيا مسؤولا تجاه قضايا الشعوب المضطهدة، بقطع النظر عن انتمائها القومي والديني والثقافي، ومع صحة مقولة «الأقربون أولى بالمعروف»، وكون القومية العربية للفلسطينيين، وكون معظمهم من المسلمين، يجعل هناك عنصرين من عناصر القرب، القرب من حقيقة كونهم عربا، وحقيقة كون معظمهم من المسلمين. ومع كل هذا أرى ويرى كثيرون غيري أن نكف عن الاستغراق في وهم أن فلسطين تمثل قضية كل العرب في جميع أنحاء العالم العربي وبجميع أديانهم وتياراتهم السياسية، ووهم أنها تمثل قضية كل المسلمين، من حيث كون الشعب الفلسطيني بغالبيته شعبا مسلما أولا، ولوقوع القدس أولى القبلتين وثالث الحرمين فيها ثانيا؛ مع كل هذه الحقائق فهناك مبررات كثيرة جدا تجعلنا نعيد النظر، فنعتبر قضية فلسطين قضية فلسطينية وشأنا للشعب الفلسطيني بالدرجة الأولى، ثم بدرجة ثانية قضية إنسانيا وشأنا لأحرار العالم.
وهذه الرؤية تنبع من حقيقة مواقف الفلسطينيين اللامبالية تجاه قضايا ومحن الشعوب الأخرى التي وقفت معهم، بل تنكرهم للجميل الذي أسدي إليهم والاصطفاف إلى جانب أعداء تلك الشعوب التي احتضنتهم ووقفت معهم على طول الخط. فقد اصطف الفلسطينيون إلى جانب صدام ضد الشعب العراقي في طوال محنته، ولاسيما إبان الثورة الشعبانية الآذارية عام 1991، وكذلك اصطفافهم مع صدام في حربه ضد إيران رغم أن إيران جعلت قضية فلسطين قضيتها المركزية ولحد التطرف والغلو، وهكذا اصطفافهم مع صدام ضد الكويت وشعبها إبان احتلاله للكويت وممارساته الإجرامية ضد شعبه، وهكذا اصطف معظم الفلسطينيين مع صدام عندما تخلص الشعب العراقي منه، واصطفوا مع جزار الشعب العراقي أبي مصعب الزرقاوي ثانية ضد الشعب العراقي.
ثم حتى مع اعتبار فلسطين قضية عربية، أو قضية إسلامية، فانتماؤنا كعراقيين إلى ما يسمى بالأمة العربية، أو الأمة الإسلامية، قد شابه الكثير الكثير من الشوائب، بحيث أصبح أكثر العراقيين لا يحسون بهذا الانتماء، لأن الأمة التي تخذلنا في محننا مهما اشتدت وتتخلى عنا ولا تبدي أي تعاطف معنا، بل هي تتعاطف دائما مع جزارينا وطغاتنا، أمة لا تستحق أن ننتمي إليها إلا انتماءً شكليا، لا يوجب ترتيب الأثر من التزامات إلا بشكل محدود جدا، وبما لا يضر بمصالحنا الوطنية كعراقيين بأي قدر كان من الضرر ولو كان ضئيلا. فمعظم السنة من العرب وغير العرب من حولنا ليسوا معنا، أو على أقل تقدير ليسوا مع الشيعة منا، ومعظم العروبيين من السنة والشيعة، ومن المسلمين وغير المسلمين من حولنا ليسوا معنا، أو على أقل تقدير ليسوا مع غير العرب وغير العروبيين منا، ومعظم الشيعة الإيرانيين واللبنانيين والمتأيرنين ليسوا معنا، أو على أقل تقدير ليسوا مع مشروعنا الديمقراطي غير العابه بدين ولاية الفقيه ومبدأ الإمامة والولاية الإيرانية على عموم المسلمين، أو على أقل تقدير على شيعة العالم. فعمرنا نحن العراقيين نقف مع الآخرين في محنهم، ولا يقف أحد معنا، إلا إذا وقفوا معنا على نحو يفرض روح الهيمنة والوصاية علينا، في تقدير ما يقع في مصالحنا من قبلهم، دون النظر إلى ما نراه نحن أنه يقع في مصالحنا، أو إنهم يقفون معنا في قضايانا لفرض حلول لها تصب في مصالحهم ورؤاهم هم، كما يفهمون مصالح الأمة العربية، أو مصالح الأمة الإسلامية، لا في مصالحنا ورؤانا نحن كأمة عراقية.
رضينا بهذا الواقع أم لم نرض به، فأمريكا تنفرد في العالم كقوة عظمى وحيدة لا تنازع. وهذا لا يعني الخضوع لهذا الأمر الواقع، بقدر ما يعني البحث عن نظرة واقعية في تحديد طبيعة العلاقة مع أمريكا. والعراقيون - كما أرى ويرى الكثيرون - ليسوا معنيين بمعاداة أمريكا على النحو الذي تتبناه إيران، وسوريا، وحزب الله، والقاعدة، وحماس، وبعض التيارات الإسلامية المتطرفة الشيعية والسنية في العراق. بل من مصلحة العراق ومن مصلحة البلاد الإسلامية أن تفتح صفحة جديدة من العلاقة الإيجابية مع الغرب عموما، ومع أمريكا خصوصا، كما هو من مصلحة الغرب نفسه. لكن هذا لا يعني أن نستغرق في أنانيتنا، ونعيش الازدواجية والكيل بمكيالين، فنرضى بظلم شعب آخر ما زلنا نحن بخير، رغم أن الآخرين تعاملوا معنا على هذا النحو، ولكن الخطأ لا يرد بالخطأ، والباطل لا يعالج بالباطل. ومن هنا فإن أمريكا كراعية لعملية التحول الديمقراطي في العالم ومواجهة الإرهاب والتطرف، لا يجوز لها أن تكون بهذه الدرجة من التحيز المطلق لإسرائيل. نحن لا نريد أن نجانب النظرة الواقعية ونطلب من أمريكا التخلي عن تحالفها الاستراتيجي مع إسرائيل، ولكن من حقنا أن ننقد تحيزها، ونطالبها بإعادة النظر في اتخاذ موقف أكثر توازنا، ولو من قبيل حسابات المصلحة الخاصة بها، باعتبار أن استعداءها للشعوب العربية والمسلمة أكيدا ليس من مصلحة أمريكا، حسب معايير العقلاء. مع هذا دعونا نبحث عن الخلل في أنفسنا، ومدى تحملنا مسؤولية دفع أمريكا نحو هذا التحيز أو مواصلة هذا التحيز لصالح إسرائيل على طول الخط. فإسرائيل تمثل واحة الديمقراطية وسط صحراء نظم الاستبداد والديكتاتوريات، وهي واحة الحداثة وسط صحراء التخلف والاستغراق في ثقافة القرون الوسطى، وهي واحة الصداقة مع الغرب وسط صحراء العداء له. ثم إننا نثقف شعوبنا في كل يوم ليل نهار على ثقافة كراهة الغرب، وكراهة أمريكا بالذات، ومعاداة الديمقراطية، باعتبارها سلعة وافدة من الغرب الكافر حسب المصطلح الأصولي، أو الغرب المستعمر حسب المصطلح الثوري.
الغريب إن إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تستمد شرعية وجودها من مقولة دينية خاصة باليهود، وعمرها 2500 سنة. وهنا يلاحظ على هذه الحقيقة بمجموعة ملاحظات:
1. المقولة التي تستند عليها هذه الدولة دينية محضة مستمدة من كتاب مقدس هو التوراة، وهي دولة تحظى بقبول وتأييد العالم الغربي المؤمن بالعلمانية وبفصل الدين عن الدولة، كضرورة لا يحيد الغرب عن الالتزام بها بأي حال من الأحوال، وكأصل ثابت من أصول الفكر الغربي العلماني، وهذا عين الازدواجية والمفارقة الغريبة.
2. هذه المقولة الدينية تتعامل مع العالم كله على وجوب احترامها من قبل أتباع الديانات الأخرى، أو لنقل من قبل غير اليهود في العالم، فهي لا تكترث بقاعدة إلزام الناس بما ألزموا هم أنفسهم به، بل ترى وجوب إلزامهم بما هو ملزم لدى اليهودية كدين وإسرائيل كدولة.
3. هذه المقولة الدينية ذات الخصوصية اليهودية، أي مقولة الأرض الموعودة، لم تفرض على بلد ذي أكثرية يهودية، حتى يبرر قبول واحترام إرادة ذلك البلد، بل اليهود كانوا يمثلون الأقلية في فلسطين قبل قيام دولة إسرائيل.
4. قامت هذه الدولة على أساس الاحتلال وتهجير السكان الأصليين، وعلى أساس التمييز الديني والعرقي، بمعنى اليهود، أولا والسامية، أولا والعبرية أولا. وهذا واضح تناقضه مع متبنيات الغرب المعاصر ومبادئ حقوق الإنسان.
5. صحيح إن هذه الدولة ليست دينية بمعنى اعتماد الدين أساسا للحكم، بل هي دولة علمانية، ولكنها دينية بمعنى أنها وطن اليهود، وليس بمعنى أنها دولة يهودية، فهي ليست كإيران مثلا في هذا الجانب.
وشعوب كل البلاد العربية والإسلامية تعلم من الأجيال القديمة أن المواطنين اليهود لكل من تلك البلدان كانوا متعايشين بوئام وانسجام ودون حساسيات مع شعب ذلك البلد، لاسيما مع المسلمين، وكان مسلمو تلك البلاد متعايشين مع مواطنيهم اليهود على أفضل ما يكون التعايش، من حسن جيرة، وصداقات، وتعامل تجاري، وعلى جميع الأصعدة الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وحتى تهجير اليهود إنما جرى تلبية لرغبة الدولة الصهيونية الجديدة وتحقيقا لمصلحتها، وبأحسن ما يكون التهجير من فسح المجال لليهود لتصفية أمورهم وبيع أملاكهم واستصحاب ثرواتهم، وهذا بعكس ما حصل للعراقيين الذين هجرهم صدام من وطنهم، سالبا منهم كل أموالهم وممتلكاتهم، ومفرقا بين أفراد العائلة الواحدة، وفارضا قرار الطلاق على بعض الزيجات، إضافة إلى إبادته لأبنائهم من الشباب العسكريين الذي احتجزهم عنده.
بل من اضطهد اليهود في أوطانهم الأصلية ولاحقهم وعاملهم معاملة المواطنين المنبوذين - وهذا ما دون مواطني الدرجة الثانية -، هم الأورپيون، أي الغرب المتعاطف معهم اليوم. وعلى رأس من اضطهد اليهود واتخذ قرار الإبادة ضدهم هي ألمانيا النازية. وكأن الغرب أراد أن يعتذر لليهود، ويعوضهم عما نالهم من ظلم وحيف واضطهاد وتمييز من قبله، بأن يقدم لهم هدية، وطنا يحتضنهم ويحفظ لهم هويتهم الدينية، ويحقق لهم مكانة مرموقة في العالم، وذلك على حساب شعب آخر، هو الشعب الفلسطيني، الذي احتضن في مكوناته الدينية المسلم والمسيحي واليهودي. وهنا تتجلى مرة ثانية ازدواجية الغرب، بعدما تجلت فيما ذكرنا آنفا من كون العلمانية من لوازم الفكر السياسي الغربي المعاصر من جهة، وقبوله بدولة دينية لليهود وحدهم دون غيرهم من جهة أخرى.
مما جعل الأورپيين وعموم الغرب بعدما كان مسؤولا عن اضطهاد اليهود يبالغ في مجاملة اليهود وإسرائيل هو وقوعه في التناقض مع متبنياته، فاليوم تمثل اليهودية وحدها كدين، وإسرائيل وحدها كدولة، والأحداث المرتبطة باليهود وحدها كحقائق تاريخية، ممنوعة من النقد والمراجعة والتشكيك. ففي الغرب يمكن تأليف الكتب ضد أمريكا وضد أورپا، ويمكن نقض المسيحية والتشكيك حتى بصلب المسيح بل حتى بوجود شخصية المسيح أصلا، ويمكن تأليف الكتب عن كل الجرائم التي ارتكبتها أمريكا تجاه الأفارقة السود والهنود الحمر والمكسيك، وهكذا ضد الڤيتناميين وغيرها من المجازر. ويمكن فضح مجازر الاستعمار البريطاني والهولندي والبلجيكي والإيطالي والفرنسي وغيره. ولكن الممنوع الوحيد أن يكتب كاتب شيئا نقادا فيه دولة إسرائيل، أو أن يفضح مجازرها ضد الفلسطينيين واللبنانيين وغيرهم، أو يعيد النظر لا في أصل المجازر النازية ضد اليهود، ووجوب إدانتها، والتعاطف مع ضحاياها، بل في حجم تلك الجرائم وسعتها والعدد الحقيقي لضحاياها، فكل ذلك سيقابل بتهمة معاداة السامية. فهناك قمع فكري (تكفيري) لصالح اليهود وإسرائيل والصهيونية، لا يبرر لغير إسرائيل واليهود في العالم الغربي.
وهذه ظاهرة غريبة أخرى تنفرد بها إسرائيل، فاليهود كأتباع دين هم وحدهم المسموح لهم والمقبول منهم أن يفرضوا على ضيوفهم من سياسيين من خارج إسرائيل ومن من غير اليهود، أن يحملوا على رؤوسهم الطاقية اليهودية، كرمز ديني يهودي، مما لا يقبل عادة من أصحاب الديانات الأخرى، فلا المسيحيون ولا المسلمون ولا البوذيون يحرجون ضيوفهم بحمل أو لبس رمز ديني للمسيحية أو الإسلام أو البوذية. فكل مسؤول سياسي أمريكي أو أورپي تراه مضطرا بقبول وضع الطاقية اليهودية على رأسه، ولو فرضت عليه العمامة الإسلامية في أثناء زيارة له لبلد إسلامي، أو أي رمز ديني لأي دين، لرفض ذلك، كما رفض قبل سنوات وزير الخارجية الألماني أن يتقلد حول رقبته شالا يرمز إلى الديانة البوذية، رغم تعاطف أورپا وعموم الغرب مع البوذيين. وهم أيضا لا يرون من المناسب أن يقلدوا ضيفا من ديانة أخرى الصليب أو أي رمز يرمز للمسيحية. وهذه خصوصية أخرى تنفرد بها إسرائيل، بينما الحجاب الذي لا يمثل للمرأة المسلمة إلا شرطا من شروط الالتزام الديني، يعتبر رمزا دينيا يمنع في كثير من المؤسسات في فرنسا، وفي كثير من دول أورپا، بل وحتى في تركيا المسلمة.
بقطع النظر عن مدى مشروعية أو لامشروعية دولة إسرائيل، فإن العرب والمسلمين، وبما في ذلك أهل القضية المباشرين أي الفلسطينيين لم يبلورا خلال العقود الستة الماضية مشروعا لحل سياسي، لا يقوم على أساس العدالة المطلقة، بل العدالة النسبية، أي العدالة السياسية الدولية الواقعية. فالمد القومي الناصري لم يملك إلا مشروعا واحدا، هو في واقع الحال شعار تعبوي أكثر من كونه مشروعا، ألا هو رمي اليهود في البحر، والذي كان يتكرر على لسان رائد المد القومي جمال عبد الناصر في خطبه النارية التي كانت تمتد لساعات وساعات، ينشدّ إليها العربي من المحيط إلى الخليج ملصقا أذنيه بالمذياع، متابعا تلك الخطب بمشقة شديدة بسبب سوء البث آنئذ. ثم جاءت الثورة الخمينية (الإسلامية الإيرانية) لتقدم مشروعها، ألا هو مشروع الإبادة، الذي أطلقه الخميني ورددته الملايين الإيرانية بحماس وهو شعار (إسرائيل بايد نابود شدن)، بمعنى (إسرائيل يجب أن تباد). أنا لا أناقش مدى مشروعية مطلب إزالة إسرائيل من الوجود، بل لا بد لنا من مناقشة مدى واقعية هذا الشعار التعبوي المفرَغ من أي تصور لخطة أو برنامج أو مشروع. هكذا تعامل إذن كل من تيار الخمسينات والستينات، التيار العربي القومي، وتيار الثمانينات والتسعينات والممتد حتى يومنا هذا، التيار الأصولي الإسلامي. لم نحاول أن نقدم مشروعا آخر، نحرج به العالم، ولا نعطي به أي مبرر لرفضه، أو تأويله على أنه مشروع ضد اليهود واليهودية أو قائم على مبدأ ما يسمونه بمعاداة السامية، بل هو مشروع إنساني حضاري، من أجل تأسيس وطن اليهود والمسلمين والفلسطينيين، العرب والعبريين والأورپيين، وكن السكان الأصليين والمهاجرين، وذلك في ظل دولة علمانية فيدرالية ديمقراطية، ولو على نحو ما طرحه القذافي فيما أسماه بمشروع دولة إسراطين، وذلك من قبيل تطبيق مقولة «خذ الحكمة ولو من أفواه المجانين». وهذا طبعا كان سيحتاج إلى تنضيج ودراسة مستفيضة وتفصيل ومحاولات لحل العقد والعقبات أمام المشروع، بحيث يمكن أن يحتذي بنموذج جنوب أفريقيا. لا أريد أن أقع في التناقض، فأجانب الواقعية في الوقت الذي أدعو فيه إلى مشروع واقعي، فإني أعلم أن إسرائيل غير جنوب أفريقيا، ولكن مع هذا أعتقد جازما أن الشعب الفلسطيني كان سيحصل بأكثر مما حصل عليه بكثير، لو اعتـُمِد مثل هذا المشروع، وللقي المشروع تعاطفا واسعا من قبيل جزء لا يستهان به من المجتمع الدولي، بأكثر بكثير مما حصل، بما في ذلك من قبل الدول المتعاطفة مع إسرائيل، لاسيما إذا كان المشروع قد أخذ بنظر الاعتبار إعطاء ضمانات خاصة لليهود في هذه الدولة ذات التنوع الديني والقومي.
والمشكلة الأساسية للعالمين العربي والإسلامي، أنه عالم متخلف عن ركب حركة التحول الديمقراطي العالمية، وعالم مستغرق في ثقافة العداء المُفـْرط وغير الواقعي للغرب (المستعمر) أو الغرب (الكافر). فلو كنا قد خطونا - حالنا حال عقلاء العالم - قدما في مشروع التحول الديمقراطي، وحاولنا جادين وصادقين أن نفتح صفحة جديدة من العلاقة مع الغرب، تكون إيجابية وخالية من العقد الإيديولوجية والدينية والتاريخية، لكان ذلك كفيلا بإضعاف موقع إسرائيل، وخفض حماس أمريكا بالذات، وحماس عموم الغرب في تأيدهما اللامحدود، وتحيّزهما اللاموضوعي لها. أعلم أن هناك من يقول أن الغرب ثابت في موقفه المؤيد لإسرائيل والمعادي للعرب والمسلمين وللإسلام. ويستشهد أصحاب هذا الرأي بتاريخ الحروب الصليبية وتاريخ الاستعمار الحديث. وهؤلاء يغفلون عن سُنـّة كونية إنسانية، هي سنة التحول والتطور والترشـُّد، فكما الأفراد يطرأ عليهم ما يطرأ من تحول وتطور وترشـُّد، يطرأ مثل ذلك على الشعوب والأمم والدول والأحزاب والجماعات الأثنية والدينية، ويطرأ فيما يطرأ على ما يسمى بدول الاستعمار. فكوننا كعرب وكمسلمين وكشرقأوسطيين لم نخط باتجاه هذين المشروعين الإنسانيين الحضاريين، يمثل مشكلة وعقدة أعطت مردوداتها السلبية على قضية فلسطين، وعلى طبيعة علاقاتنا مع العالم من حولنا، وعلى واقع شعوبنا المزري والمتخلف ثقافيا وسياسيا.
الإسلام السياسي الأصولي المتطرف والمنغلق، والتدين الشعبي السطحي المتخلف والمستغرق في شكل الدين والتدين، والمهمل لجوهريهما، هو الذي يمثل العقبة النكداء أمام المشروع العصري، ألا هو مشروع التحول الديمقراطي، وهو الذي يمثل العامل الأساسي لانبعاث هواجس ومخاوف الغرب من العالم الإسلامي بكل تطرفه وتخلفه، وبالتالي هو المبرر الأول لتحيز الغرب لإسرائيل، التي تمثل - كما سبق وذكرت على ضوء معاييره - واحة الديمقراطية وواحة الحداثة وواحة العلاقة الإيجابية مع الغرب وسط صحراء الاستبداد والتخلف ومعاداة الغرب والمسيحية والعلمانية والحداثة. فالإسلام لا في حقيقته وجوهره، بل هذا الإسلام السياسي الأصولي المتطرف الذي ليس هو من الإسلام في شيء، هو الذي أعاق عملية التحول الديمقراطي في العراق وأخرها وجرها إلى خط خطر الانهيار الذي نشهده اليوم لا قدر الله، وهو الذي حال دون وضع حلول موضوعية واقعية لقضية فلسطين، وهو الذي ألهب الساحة في العالم العربي وفي العالم الإسلامي وفي عموم العالم، دماءً وعنفا وخرابا، هذا دون أن نبرّئ بأي شكل من الأشكال ساحة إسرائيل بكل عنفها ودمويتها ووحشيتها وإرهابها.
من الأخطاء التي ارتكبها المسلمون هو هذا الخلط الغريب وغير العقلاني وغير الموضوعي بين اليهود كأتباع دين واليهودية كعقيدة من جهة، وبين الصهيونية ودولة إسرائيل من جهة أخرى. فاعتبر الكثير منهم الصراع مع إسرائيل صراعا دينيا، وهو بالتالي عبارة عن حرب المسلمين اللامنتهية ضد اليهود، وأكثر من يتبنى هذه الرؤية حزب الله والقاعدة وإيران والإخوان بدرجات متفاوتة. القرآن نفسه يرفض منهج التعميم والإطلاق، وما المقولة القرآنية «ليسوا سواءً» إلا الشعار الكبير الذي يدلل على موضوعية الإسلام. ولكن المسلمين استندوا إلى أحاديث عن دور اليهود، غافلين عن أن هذه الأحاديث، وحتى آية «ولتجدن أشد الناس عداوة للذين آمنوا اليهود والذين أشركوا»، عن أن كل ذلك إنما مأخوذ به عامل الظرفين المكاني والزماني، ولم ترد هذه النصوص على نحو التعميم والإطلاق، لأن قاعدة نفي التعميم والإطلاق قاعدة قرآنية وقاعدة عقلائية ثابتة، لا يمكن أن تلغيها الحالات الاستثنائية الخاضعة للظرفين الزماني والمكاني. وكما ذكرنا عن العلاقات الإيجابية في المجتمعات العربية والمسلمة التي تواجد وما زال في بعضها يتواجد المواطنون اليهود لتلك البلدان لأدلّ ما يُستدلّ به على خطأ التعميم والإطلاق. ثم حتى لو افترضنا أن الذين لا يوالون إسرائيل، ولا يتبنون الفكر الصهيوني، ولا يعادون المسلمين والعرب من اليهود لا يمثلون إلا 10%، فهذا يكفي لعدم صواب استعداء هؤلاء العشرة بالمئة، فالعقلاء إنما يستزيدون من الأصدقاء، ويستقلون من الأعداء، والقرآن والسنة يؤكدان هذا المعنى في الكثير من الموارد كـ «ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم»، و«عسى الله أن يجعل بينكم وبين الذين عاديتم منهم مودة والله قدير والله غفور رحيم». ثم إن جعل أي صراع سياسي قائما على أساس العداء الديني يفقد الصراع أي تأييد، لرفض العالم المعاصر لهذه المعايير، وعدم مراعاة هذا الواقع مجانبة واضحة للحكمة، إضافة إلى خطئه الواضح من حيث المبدأ.
ثم هناك واقع إنساني لم ننتبه إليه في معالجتنا لقضية فلسطين، وهو أن هناك أجيالا ولدت في إسرائيل وفتحت أعينها على واقع أن هذه البلاد تمثل وطنهم، بقطع النظر عن مدى مشروعية التأسيس. لم نضع في حساباتنا هذا الواقع طوال تعاملنا مع هذه القضية الحساسة والمعقدة. نعم يبقى الغاصب غاصبا، مهما كانت الظروف، ولا يمكن مراعاة الأجيال التي ورثت واقع الغصب، دون أن تكون مسؤولة عن تأسيس واقع الغصب هذا، أن تكون أي هذه المراعاة على حساب أهل البلاد الأصليين والواقعة عليهم جريمة غصب الوطن. ولست بصدد بيان كيفية مراعاة هذا الواقع، ولكن أقول هذا ما ينبغي أن يوضع في الحساب، دون تحديد كيفية ترتيب الأثر على ذلك، وعدم وضع هذه المفردة في الحساب يمثل بلا شك خللا واضحا.
هذه كانت محاولة متواضعة، ولكنها أكيدا لا تخلو من أهمية في تناول هذا الموضوع منظورا إليه من زوايا شتى. وإني أعلم أن البحث سيلقى أصداءً إيجابية واسعة، كما سيقابل بالنقد والمعارضة الموضوعيين، أو بكيل الشتائم كما عودنا أصحاب ثقافة الشتائم، وثقافة الحقد والكراهة، وثقافة عدم الإيمان بأي رأي آخر، وثقافة كيل اتهامات التخوين والتكفير، بالعمالة والارتداد، وغيرهما.
2 - 5/8/2006
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::