الحج بين الشيعة وإيران والسعودية والوهابية

اطلعت على بيان أرسلته إلي مشكورة مؤسسة إعلامية إسلامية شيعية عراقية؛ فيه من جهة ما يستحق الاهتمام، وبالتالي تثمين التفاتة أصحاب البيان، ولكن من جهة أخرى لا يخلو من غرابة، أرجو من أصحابه ومروجيه أن يتحلوا بسعة الصدر لاستقبال ملاحظاتي على ما أثار استغرابي من هذا البيان. والغريب بشكل خاص فيه إنه صادر عن مجلس للجمعيات العراقية في إحدى الدول الأوربية، يضم الجمعيات العراقية الإسلامية في تلك الدولة، والتي يشرف عليها على الأعم الأغلب شيعة، ويتكلم هذا البيان عن مسيرة تقام في موسم الحج، هي في العمق والهدف عبارة عن مسيرة ولاء لدولة ونهج (جمهورية إيران الإسلامية)، وهنا تكمن المفارقة؛ بيان صادر من جهة عراقية، ومسيرة ولاء لإيران.

 

من حيث المبدأ لا بد من التعاطف مع هذا البيان في جانب منه، إذا صح ما جاء فيه، ولا تـُستبعَد صحة ذلك، وهو التحذير من احتمالات ارتكاب مجزرة ضد حجاج من الشيعة سيشاركون في هذه المسيرة المنظمة إيرانيا من حيث التوجه؛ إن هذا التعاطف واجب، لأن أي مجزرة لا يمكن أن تبرر، ولا يمكن الوقوف منها إلا موقف الإدانة بأشد ما تكون، حتى لو كانت ضد من لا نلتقي معهم، أو نلتقي معهم في حدود ضيقة جدا. ولكن الذي يؤخذ على هذا البيان، لاسيما لأنه صادر عن مجلس الجمعيات العراقية لتلك الدولة الأوربية، إنه يصور هذه المسيرة على إنها «المسيرة السلمية التي ينظمها الحجاج الشيعة سنويا ولعشرات السنين»، وفي الواقع هذه المسيرة التي سنتها (الثورة الإسلامية في إيران) منذ تأسيس جمهوريتها الإسلامية عام 1979 تحت اسم مسيرة البراءة إحياءً للبراءة من المشركين في عهد الرسول (ص)، ولكن بتطبيقاتها المعاصرة على ضوء فهم إيران الدولة، وتعني البراءة من أمريكا وإسرائيل، ولكنها تستبطن بشكل واضح إعلان الولاء للجمهورية الإسلامية الإيرانية، والبيان المذكور نفسه يذكر أن عمر هذه التظاهرة هو «لعشرات السنين» فقط، وبالضبط منذ 27 سنة، وهذا لا ينسجم مع تصوير التظاهرة على أنها «تعد من ضمن طقوس الشيعة العبادية» كما عبر البيان، لأنها مسيرة سياسية وتجري مجرى تسييس الحج، كجزء من تسييس الدين الإسلامي الذي يمثل أهم ملامح (الثورة الإسلامية الإيرانية). هذا طبعا لا يبرر «إصدار فتاوى حرمة القيام بهكذا مسيرة» من قبل «بعض علماء الدين السنة» كما عبر البيان. ربما تكون هناك مبررات معقولة ومحترمة للسلطات السعودية لمنع ممارسات من قبل الحجاج وأثناء الموسم ذات طبيعة سياسية أو طبيعة من أي نوع آخر تخرج عن أجواء الحج، وخاصة إذا كانت تسير في خط تسييس موسم الحج وتسييس مناسك الحج، ولكن لا يمكن أن يجري هذا من خلال تحريم ما هو ليس محرما بالعنوان الأولي، والإيحاء بأن كل ممارسة من هذا النوع هي من قبيل البدعة التي تستتبع ترتيب الأثر بتطبيق المقولة المشهورة التي يستخدمها التكفيريون، ذلك أن «كل بدعة ضلالة وكل ضلالة في النار»، سيرا على النهج التكفيري الذي عودتنا عليها بعض المؤسسات الدينية وبعض من ينعتون أنفسهم بعلماء دين وفقهاء، هذا النهج الذي إن اشتهر به علماء من الوسط السني والوهابي أو السلفي بالذات، فقد وقع فيه أيضا بعض من علماء الشيعة، فمرض التكفير لا يحصد منه إلا الكراهة والحقد، واللذان لا يحصد منهما إلا الاستغراق في غريزة القتل (المقدس) ونزف الدماء، وما ساحة العراق إلا شاهدا على ما أنتجته ثقافة التكفير. ولكن في نفس الوقت علينا نحن العراقيين، حجاجا وغير حجاج، إسلاميين وغير إسلاميين، متدينين وغير متدينين، سياسيين أو مُتـَسَيِّسين وغير سياسيين ومتسيسين، أن ننتبه جيدا، بأننا لا نحصد من الانجرار وراء المشاريع والأجندة الإيرانية إلا المزيد من المصائب والكوارث. ولنأخذ درسا من لبنان، حيث وضعت القوى السياسية الشيعية نفسها في موضع لا تحسد عليه، إذ جعلت هذه القوى نفسها في خانة الولاء المزدوج لإيران وسوريا، بدلا من الولاء للبنان.

 

سيكون الحج بخير والحجاج بخير والدين بخير، متى ما جرى الفصل بين ما هو سياسي وما هو ديني. صحيح إن الإسلام من حيث المبدأ يعنى بكل شؤون الحياة، ومن أبرزها السياسة، وصحيح أن المتدين لا يمكن له إلا أن يكون سياسيا، أعني سياسي الهم والاهتمام، لأنه إذا لم يعش هذا الهم وذاك الاهتمام، كان بمثابة الإنسان السطحي المستغرق في شؤونه الخاصة والذي لا يكترث بما يحصل للمجتمع والإنسانية، وصحيح كذلك أن موسم الحج أفضل فرصة ليكون مؤتمرا عظيما للمسلمين يعرضون فيه قضاياهم الكبيرة الاجتماعية والثقافية والاقتصادية والسياسية والدينية بالمعنى الأخص للدين. ولكن بلحاظ الوعي السياسي المتدني، والثقافة الدينية المتخلفة، والتطرف الديني وتطرف التيارات السياسية الإسلامية وعنفها، والتعامل مع المواقف السياسية لعلماء الدين وللأحزاب الإسلامية على أنها وحي نزل به جبريل عليه السلام، يُعَدّ المعترض عليه بمثابة المارق عن الدين، وبلحاظ ما جرَّ تسييس الدين، وبالأخص الإسلام السياسي علينا وعلى الإسلام وعلى الشعوب المسلمة - لاسيما على العراق - وعلى المجتمع الإنساني عموما من كوارث، لا بد من الفصل بين الدين والسياسة، لحين تعقلن المسلمين المتسيسين، ولحين تهذيب الثقافة الدينية وتخليصها من كل سرطانات التطرف والتخلف والشعوذة والخرافة والعنف والإرهاب، ولحين اكتشافنا لدين الله وإعراضنا عن دين جُلّ المتدينين باستثناء القلة من العقلاء، هذا الدين الذي شوّه الصورة المشرقة الجميلة لدين الله، بكل عقلانيته واعتداله وإنسانيته ورفقه ومُثـُله. فدعونا يا إخواننا الأعزة، لاسيما أنتم العرقيين، ننأى بأنفسنا عن التأثر بمناهج جمهورية ولاية الفقيه الإيرانية، ومن يدور في فلكها كحزب الله وحماس وغيرهما، دعونا نبلور تجربتنا العراقية الخاصة بنا، ونضع مصلحة العراق تتقدم على أي مصلحة، ولا نكون أدوات لأجندة غيرنا، لاسيما تلك التي تتقاطع مع ثوابتنا الوطنية العراقية، هذه الثوابت التي لا تريد أن تؤذي الغير، ولكنها في نفس الوقت لا تريد أن تكون كبش الفداء لأجندة الغير. وختاما نسأل الله أن يحفظ الحجاج من أي فتنة يمكن أن توقد نارها في موسم الحج، الذي يجب أن يعيشوا فيه روح السلام مع أنفسهم، ومع ربهم، ومع بعضهم البعض، ومع شعوبهم بما في ذلك غير المتدينين وغير الإسلاميين من المسلمين، وغير المسلمين من أبناء شعوبهم، وكذلك السلام مع الإنسانية جمعاء، فهذا هو المعنى الأجمل والأصدق لـ «لبيك اللهم لبيك»، لأن الله تعالى الذي يُلبّى بعبارات «لبيك» هو رب الرحمة والمحبة والسلام والعقلانية، ولذلك لا بد من أن تكون تلبيتنا لهذه المعاني الجميلة، فيكون طوافنا طوافا حول هذه المعاني، وسعينا من أجل هذه المعاني، ورجمنا رجما لكل معاني التطرف والكراهة والإرهاب، وتضحيتنا تضحية من أجل إحياء كل تلك المعاني الجميلة في حياة الإنسانية جمعاء.

 

26/12/2006

 

:: رجوع ::  :: الصفحة الرئيسية ::