يافطة سوداء في أحد الشوارع الرئيسة في العاصمة بغداد:
مجلس محافظة بغداد يعزي الحُجَّة (عج) والمَراجِع العِظام والأمة الإسلامية باستشهاد ....
قبل التعليق على هذه اليافطة لا بد من مدخل للموضوع. عندما يترك المرء مدينة سكناه وموطنه، ويغيب عنها لفترة تطول أو تقصر، قد ينسى قليلا أو كثيرا ملامحها أو بعض ملامحها، أو يصبح حضور تلك الملامح على لوحة ذاكرته حضورا باهتا بدرجة أو بأخرى، أو يكون المرء متوقعا أن يكون قد طرأ ثمة تغيّر على الصورة أو بعض ملامح الصورة. وأتكلم بشكل خاص عن بغداد التي شاهدتها بعد غياب اضطرتني إليه بعض الحيثيات االتي أعرض عن ذكرها لأكثر من سنتين. صحيح إننا نرى تلك الصُوَر عن سائر مدن العراق، وعن عاصمتنا بغداد الحبيبة بشكل يكاد يكون يوميا عبر الفضائيات، ولكن تبقى المشاهدة المباشرة مؤثرة في الوجدان بدرجة أعمق، لأنها معاشية أكثر مما هو الحال مع المشاهدة عبر الشاشة.
عندما كانت تجوب بي السيارة التي أقلتني إلى موعد للقاء، ضمن سلسة لقاءات في الشأن السياسي أجريتها مع عدد من قوى التيار الوطني الديمقراطي، أخذت أتطلع إلى بغداد، فوجدتها لم تتغير عن آخر مشاهدة لي لها أواخر عام 2006، وكأنها بيت معرَّض للاستخدام السيئ، أو - كما يعبر - لاندثار مكثف، فيَعطل في كل يوم شيء جديد، ومن غير أية صيانة أو إدامة، فما يخرب يبقى خربا، وما يعطل يبقى عاطلا، وما يُشوَّه منظره يبقى مشوَّها، باستثناء ذلك التلوين البعيد غالبا بعدا كبيرا عن الذوق الراقي للجسور والأعمدة، وكأنه قد أعطيت الأصباغ بألوانها المختلفة إلى أناس لا يفقهون من استخدام اللون شيئا، ولا يميزون بين تلوين العاصمة وتلوين دكان لبيع الأدوات المنزلية أو بيع الخضر والفواكه، ولا يميزون بين لوحة لمؤسسة حكومية وبين إعلان تجاري، ولا بين المستوى الرفيع والمتوسط والمتدني لذوق واستخدامات الألوان. هذا ناهيك عن ملامح الفقر التي تخيم على عاصمة بلد من أغنى البلدان في ثروته الطبيعية التي حباه الله بها، هذه الملامح التي تراها واضحة على الأبنية والشوارع وعلى الإنسان، طفلا، أو امرأة أو رجلا، دون أن يعني أن هذه الظاهرة عامة، بل هي أشد وضوحا وأوسع انتشارا بكثير مما ينتظره الإنسان لعاصمة من العواصم، لاسيما إذا كانت عاصمة العراق بالذات. فمرة أخرى تجد بوضوح تخلُّف بغدادنا الجميلة الحبيبة عن عواصم أفقر البلدان المحيطة بنا. وهذا ما يجعل الإنسان يتحسر ألما، إضافة إلى الخراب على مختلف الأصعدة، وإن كان هناك ثمة خيط أبيض في الأفق المعتم، ننتظر انتشاره أفقيا ثم تحوله من خيط إلى مساحة تتسع حتى نملأ سماء العراق والعراقيين وسماء مستقبلهم.
لم يكن في ذهني أن أكتب عن انطباعاتي هذه، بقدر ما استفزتني نحو الكتابة يافطة نَعْي سوداء. ويافطات النعي والعزاء السوداء لا تمثل هي الأخرى ظاهرة غريبة في العراق، فقد اعتدنا هذه المظاهر منذ 2003 وحتى يومنا هذه، سواء تلك التي تنتشر بمناسبة موسم عاشوراء الممتدة لشهرين (من أول محرم إلى الثامن والعشرين من صفر)، والتي تبقى مشاهدها قائمة حتى الموسم القادم في أكثر الأحيان، فتصبح اليافطات خرقة بالية باهتة السواد، أو ظاهرة تلك اليافطات السوداء بمناسبة وفيات سائر الأئمة، أو يافطات النعي لمقتل مواطنين أبرياء، رغم إن أعمال العنف قد تراجعت والحمد لله، أو لوفيات عادية. ثم وبشكل عام لم يعد أي شيء مستغرَبا في العبارات المشتملة عليها مثل هذه اليافطات وما تحمله من معاني ودلالات، لا أريد التعرض لها هنا. فمن ضمن مشاهداتي في بغداد قرأت يافطة سوداء تحمل العبارة التالية:
«مجلس محافظة بغداد يعزي الحجة (عج) والمراجع العظام والأمة الإسلامية باستشهاد الأب الروحي ...». لوكانت قد علقت اليافطة من حسينية من الحسينيات، أو حزب من الأحزاب السياسية الدينية، أو من موكب عزاء، أو من تيار من التيارات، لما كانت هناك ثمة غرابة في ذلك. لكن أن يكون واضع اليافطة جهة رسمية، وأن تكون هذه الجهة هي مجلس محافظة، وأن تكون هذه المحافظة هي العاصمة المتنوعة مذهبيا ودينيا وثقافيا، فهذا ما يزيد الدهشة والاستغراب. فاليافطة شيعية حتى النخاع، فمفردات مثل «الحجة (عج)» و«المراجع العظام» هي مفردات القاموس الشيعي، والشخصية التي تنعى هي رمز لتيار معروف، ومعنى هذا أن مجلس محافظة بغداد قد صُبِغ وبالتالي قد صُبِغَت بغداد بصبغة شيعية وبلون شيعي صارخ، بل وبصبغة سياسية محددة لتيار معروف بما هو معروف به. فكما كان الفكر القومي ولاسيما البعثي، يقول إن العربي هو كل من سكن في الوطن العربي، حتى لو كان كرديا أو بربريا أو منتميا إلى أي قومية أخرى، وكما ينظر البعض بكون سكنة ما يسمى بالوطن الإسلامي هم مسلمون بالمواطنة وإن انتموا إلى ديانات أخرى، أو كما كان البعثيون يقولون إن العراقي بعثي وإِلَّم ينتمِ، فحسب مجلس محافظة بغداد كما تعبر عنه هذه اليافطة فإن البغدادي شيعي رغما عنه، سواء أحب ذلك أم لم يحب، فالبغدادي السني والبغدادي المسيحي هم شيعة بالضرورة شاؤوا أم أبوا، وإلا فهم ليسوا بغداديين، ووجودهم فيها طارئ. فهذه اليافطة إهانة لهوية البغدادي غير الشيعي والبغدادي غير المنتمي لذلك التيار السياسي، وهي إهانة لعقلاء الشيعة، وهم الأكثرية الغالبة، لأنها تتكلم باسمهم فيما لا يتبنون ولا يرتضون.
المرحلة القادمة ستشهد بلا شك درجة تكبر يوما بعد يوم من العقلانية والاعتدال والتسامح والتعايش والتحابب والابتعاد عن مظاهر التطرف والغلو والتخلف والطائفية وتسييس الدين.
18/11/2008
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::