لقاء مع جريدة الوقت الكويتية: العلمانية هي الحاضنة الأفضـل لقضايا الـدين والـدنيا
نشرت جريدة الوقت البحرينية العدد 428 - الجمعة 16 ربيع الأول 1428 هـ - 4 مايو 2007
لقاء مع ضياء الشكرجي على الصفحة السادسة، هذا نصه.
نافيا وجود فتاوى سياسيّة ملزمة.. المفكر العراقي ضياء الشكرجي لـ «الوقت«
العَلمانيــّة هي الحاضنــة الأفضـل لقضايـا الـدّين والـدّنيـا
الوقت - نادر المتروك:
المفكر العراقي ضياء الشكرجي نموذج للإسلامي الذي انتقل إلى قناعاتٍ جديدة بفعل المراجعة النقدية، حيث انفصلَ عن حزب الدعوة الإسلامية، ومارس النقد على الموروث الثقافي للإسلام السياسي. ويرى الشكرجي أن العلمانية الديمقراطية هي أفضل من الديكتاتورية الدينية، داعيا إلى تأسيس مذهبية جديدة تقوم على العقلانية والضمير الإنساني، وتأصيلها من القرآن والسنة. وفي حين يؤمن بتميّز مدرسة أهل البيت في العقلنة، فإنه يعمل على تعميم تجربة النقد الديني الشامل لكل المدارس، ويذهب إلى أن المحاولات الإصلاحية في هذا المجال لا تتعدى الجهد الفردي، مشيرا إلى أسماء مثل عبد الجبار الرفاعي وغالب الشابندر وأياد جمال الدين ومحمد عبد الجبار الشبوط وأحمد القبانجي. يعلن الشكرجي من خلال تنظيم الديمقراطيين الإسلاميين الالتزام بالإسلام في ثوابته العامة، ولكنه يرى أن التجربة الإنسانية تغني عن الفتاوى السّياسية مقدّما رأيا لافتا في المرجعية الدينية ودورها.
البعض وصل إلى حدّ إعلان اليأس من الإصلاح، بينما هناك منْ يستبشر بالجهود المبذولة في هذا الطريق. كيف تنظرون إلى وضعية التعليم الديني في الوقت الحاضر؟
- حركة إصلاح الفكر الديني هي صيرورة تاريخية متواصلة الحلقات، وقد واجه الإصلاحيون في كل عصر من الصعوبات التي تصل في كثير من الأحيان إلى التصفية الجسدية أو الإعدام المعنوي بالتكفير، أو أقلها تهمة الانحراف عن خط الأصالة. والتعليم الديني معني بشكل أساسي بحركة الإصلاح، فما لم نصلح المناهج التعليمية لاسيما لمادتي الدين والتاريخ، لا يمكن أن تكون العملية الإصلاحية كاملة. والتعليم الديني عموما، الشيعي منه أو السني، يحتاج اليوم أكثر من أي وقت مضى إلى إصلاح شامل. ومن أهم ما يجب معالجته هو كلّ ما يؤسس لثقافة كراهة الآخر، وكذلك ما يؤسّس لثقافة دعوى احتكار الحق والشرعية، وثقافة الغزو والفتوحات والتغني بأمجاد الانتصارات العسكرية، فيما يؤصّل روح الميل إلى القتال كمقدس ديني، مؤداه في آخر المطاف الميل إلى العنف والاحتراب، بدل الميل إلى السلام والتسامح. وكذلك يجب معالجة كلّ ما من شأنه تأصيل الطائفية بين السّنة والشيعة، لأننا لسنا بحاجة الآن إلى إثبات أحقية مدرسة الإمامة أم مدرسة الخلافة، بقدر ما نحتاج إلى اكتشاف الإسلام في جوهره، بكلّ ما يحمل من أبعاد إنسانية وعقلانية، من أجل التأسيس لمذهبية جديدة، هي مذهبية تأصيل مرجعية العقل فيما هو العقل الفلسفي والعقلانية العملية، ومرجعية الضمير الإنساني فيما هو العقل الأخلاقي واستحساناته في خط استكمال أشواط أنسنة الإنسان الفرد وأنسنة المجتمع، مما يمكن اكتشافه في كلا المدرستين.
لا بد من إصلاح شامل للفكر الإسلامي
يتحدّث الشيخ حيدر حب الله عن مؤتمر للاعتدال الشيعي يكون منطلقا لإحداث إصلاح شامل في العقل الشيعي الديني. ما رأيك في هذه الأطروحة؟
- لا بد من العمل بشكلٍّ متواز باتجاهين. أنا مع عملية إصلاح في داخل المدرسة الإمامية، باعتباري أؤمن أن هذه المدرسة تمثل نهج الاعتدال والعقلانية. ولكني في نفس الوقت أؤمن أن الإمامة لم تـُجعل بعد النبوة إلا لضمان استمرارية خط الاعتدال والعقلانية تجسيدا لـ «وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا». وحيث أن الوسطية غـُيّبت عن واقع المسلمين سنة وشيعة، نحتاج إلى البحث عن روح الإمامة وليس عن شخوص الإمامة، وروحها هو الاعتدال الذي يمثل الاستقامة والتي تكون ذروتها العصمة، هذا الاعتدال وهذه الاستقامة هما اللذان يؤهلان الأمة، أية أمة، أن تكون شاهدة على بقية الشعوب. والبحث عن روح الإمامة وجوهرها - الذي يعني البحث عن جوهر الدين وحقيقته وبالتالي عن روح الاعتدال - يجب أن يجري متجاوزا في جانب منه الأطر المذهبية، ليجد المسلمون أنفسهم أمام مذهبيةٍ جديدة وثنائية جديدة، هي ثنائية الاعتدال والتطرف، فينتمي عقلاء ومعتدلو السنة وعقلاء ومعتدلو الشيعة السائرون في خط الدين المؤنسن لإنسانية الإنسان، بينما سيصطف متطرفو ومشعوذو السنة والشيعة في الطرف الثاني، أي في إطار مذهب التطرف، الذي سيتوزّع إلى مذاهب شتى، لأن التطرف لاعقلاني بالضرورة، واللاعقلانية لا تنتج وحدة، إلا وحدة مصلحة آنية زائلة، بينما العقلانية في مذهب المعتدلين ستنتج وحدة لا تلغي التنوّع في داخلها. من هنا فأنا مع حركة إصلاح شامل للفكر الشيعي بمراجعة كل ما تصورناه من المسلمات، ولكني مع عملية موازية لها هي عملية إصلاح للفكر الإسلامي عموما متجاوزا للأطر المذهبية.
هل يمكن إنجاز إصلاح ديني من خارج المؤسسة الدينية؟
- عملية الإصلاح الديني تواجه عقبات كبيرة جدا، فالمُصلح متهمٌ دائما بالانحراف، إنْ لم نقل بالارتداد، وأقلها بعدم الأصالة. وهذا يشمل حتى المصلحين من داخل المؤسسة الدّينية. ومن غير شك تكون المهمة أصعب عندما ينطلق الإصلاح من خارج المؤسسة الدينية التقليدية، لأن الناس اعتادوا أن يكون الزيّ هو المعيار للعالِم وغير العالِم، وليس ما يحمله الإنسان من مضامين، وهذا يعود لثقافة الاستغراق في الشكل وإهمال الجوهر في معظم قضايا الحياة. ومن ضمن ما يجب إخضاعه للإصلاح الثقافي والمفاهيمي، هو تعريف جديد للمؤسسة الدينية ومنْ ينتمي أو لا ينتمي إليها، لاسيما إننا نعلم كم من الجهلة داخل هذه المؤسسة، وكم من المفكرين من خارجها. هذا كله لا يعني عدم مراعاة الواقع، ولكن المراعاة شيء، والانسحاق أمام الواقع بكلّ سلبياته شيء آخر، ولا أرى ضيرا من تنوّع الأساليب وتفاوت درجة التعجيل دون التهوّر الانتحاري، والتأني دون التباطؤ القاتل، فثمة إصلاحيون يمكن أن يتحركوا على نحو الصدمة، حتى لو صيّرهم ذلك إلى شهداء معنويين، لأنهم إذا ما اغتيلوا معنويا في أوساط أو في مرحلة، فسيبقون أحياء في وجدان ووعي أوساط أخرى، وعبر مراحل ممتدة. كما يمكن لإصلاحيين آخرين أن يتحركوا على ضوء المراحلية والتدرّج. فلكلّ منهما ثمرته.
الإسلاميون العراقيون.. ومثلث الغلو الدّيني
ثمة مداخلات تحاول العكوف على معرفة البنية الفكرية للإسلاميين العراقيين، وحقيقة الروافد التي تكوّن مواقفهم المتغيّرة إزاء الحدث العام. كيف تقيّم المسارات الحديثة التي وصل إليها الإسلاميون العراقيون؟
- من أجل معرفة التوجّهات العامة للقوى الإسلامية العراقية الشيعية منها على وجه الخصوص، لا بد من تشخيص مدى قرب كلّ منها من حالات الغلو الدّيني الثلاث؛ الغلو في العقائد، الغلو في الشعائر، والغلو في السياسة. وأقصد بالغلو في العقائد كلّ ما يرفع الإمام المعصوم إلى منزلة لا تساوق النبوة وحسب، بل لها الكثير من ملامح الإلوهية والربوبية، باستثناء عدم استقلالها في تلك الصفات، ومن ذلك القول بالولاية التكوينية والإحاطة بعلم كلّ ما كان وما سيكون. وأما الغلو الشعائري، فأقصى صورها الترويج للتطبير، وما دونها من الشعائر الحسينية التي تتسم بالعنف والتخلف كضرب السلاسل وما شابه. وأما الغلو السّياسي، فاعتماد مبدأ ولاية الفقيه المطلقة، أو ولاية الفقيه غير المعلنة، أي إناطة القرارات السياسية المصيرية للأمة إلى المرجع، حتى لو لم يكن من القائلين بولاية الفقيه، أو حتى الدعوة إلى إقامة الدولة الإسلامية على أي أساس آخر غير أساس ولاية الفقيه، كشورى الفقهاء أو الشورى عموما، وأقلها تسييس الدين والمقدسات الدينية، والسعي لإضفاء الصبغة الدينية الصارخة على ما ينبغي أن يكون محايدا دينيا وإيديولوجيا كدستور الدولة. ودرجات ما أسميته بالغلو في ميادينه الثلاثة تتفاوت من الغلو ثم التطرف ثم التشدد، هذا من حيث الفكر، أما من حيث الأداء فأقصاها الإرهاب ثم العنف ثم التشدد.
لو طبّقنا معيار الغلو الثلاثي هذا على الأحزاب السياسية الإسلامية في العراق فماذا يمكن القول؟
- عند التطبيق نجد أن بعضها واقعٌ في الغلو أو التطرف العقائدي، وبعضها يضيف إلى ذلك الغلو أو التطرف الشعائري، ثم ينقسم هؤلاء إلى منْ يعتمد الغلو أو التطرف السّياسي، وإنْ كان بعضها أكثر مرونة في المسألة السياسية. وحتى الطرف البعيد عن الغلو السياسي، فهو ليس بعيدا عن التشدّد السياسي، ثم هو مضطرٌ لمجاراة المغالين والمتطرفين في كلّ الميادين الثلاثة، تارة على نحو الانجرار عمليا في خط التشدّد، وأخرى السكوت حتى عن حالات الغلو والتطرف، وثالثة من أجل مناغمة الحسّ الدّيني الشعبي العاطفي.
سردية الذات.. من الإلحاد إلى المراجعة النقديّة
وفي هذا الإطار، ما هي ‘’سردية الذات’’، سردية ضياء الشكرجي، التي يمكن تقديمها؟
- بعدما تحولتُ بفضل الله تعالى من الإلحاد الذي استغرق عندي خمسة عشر عاما إلى الإيمان عام 1977 سرعان ما اقترن الإيمان والالتزام بصحوةٍ سياسية، نمت من خلال تواصلي مع الشهيد محمد باقر الصدر لأكثر من سنتين، أي حتى استشهاده رضوان الله عليه، ثم هجرتي بُعَيدَ ذلك في أواخر أبريل/ نيسان من عام ,1980 سرعان ما التحقت بحزب الدعوة الإسلامية وانتظمتُ في صفوفه، وكنتُ إسلاميا خمينيّ الهوى، ثم ناقدا للتجربة الإيرانية، وبدأتُ أشتغل منذ مطلع التسعينات بموضوع الديمقراطية، حتى اعتنقتها مذهبا فكريا، سياسيا ودينيا. وحيث إن روح النقد والمراجعة كانت من جهة تمثل إحدى ملامح شخصيتي حتى في الفترة التي كنتُ فيها إسلاميا أصوليا، ومن جهة أخرى حيث كان الميل إلى الاعتدال ولو النسبي هو الآخر يمثل ملمحا من ملامح شخصيتي؛ تنامى عندي قلقُ المراجعة النقدية، وأنا الآن مازلتُ أخطو خطوات في بدايات تكوين الوعي النهائي لمراجعة كلّ مقولات الدين، من أجل اكتشاف الدين في جوهره، وعدم الاستغراق في الشكل والصورة والقوالب الجاهزة والموروث الثقافي. وإني سعيد لكوني دفعتُ ثمن صراحتي في طرح الأفكار لأصدم بها الواقع الذي لا بدّ له من هزةٍ تـُوقظه من غفوته على وسادة المشهور والمألوف. وإني لم أقدّم إلا قسطا متواضعا مما ينبغي أن يُقدّم في عملية الإصلاح والتصحيح الشاقة والمحفوفة بالمخاطر، وقد سبقني آخرون، وقدّموا أضعافَ ما قدّمت، ولكن يبقى لكلّ إصلاحيّ دوره، وتبقى لكلٍّ نكهته، وتبقى لكلٍّ مساحات تأثيره من المتلقين، حتى تتكامل فيما بينها عمليات الإصلاح في مختلف ميادينها.
وهل مازال مشروع الراحل محمد باقر الصدر مستوليا على الفكر الإسلامي المعاصر في العراق؟
- مشكلة الإسلاميين العراقيين الشيعة، لاسيما أولئك المنتمين تاريخيا إلى مدرسة الشهيد الصدر، أنهم ما زالوا يتعاملون مع فكر الشهيد على أنه مفردة من مفردات المقدّس الذي لا يجوز مراجعته مراجعة نقدية. بينما نجد الكثير من فكره السياسي قد تجاوزه الزمن وتجاوزته مراحل الترشد الفكري والسياسي، ولعله - لا أدري - كان سيراجع هو نفسه ذلك الفكر لو بقي حيا. فمقولات الدولة الإسلامية، سواء على نظرية الشورى التي اعتمدها ابتداءً، أو نظرية ولاية الفقيه التي اعتمدها لاحقا، مع وجود خصوصية تميّزها عن أطروحة الخميني، والمراحل التغييرية الأربع، وكثير من الفكر الحركي الذي تبناه حزب الدعوة الإسلامية، الذي يعتبر الصدر مؤسّسه وملهمه الفكري؛ أصبح مشكوكا في صحته، ومطلوبا أن يُراجَع مراجعة نقدية، ويُعلـَن تشخيص الثغرات المشتمل عليها بجرأةٍ وشجاعة. فالإسلاميون سنة وشيعة يجب أن يمتلكوا الشجاعة في المراجعة النقدية لفكر الصدر والخميني وسيد قطب وحسن البنا والمودودي وغيرهم. وأقصد من هؤلاء الإسلاميين منْ حصلت عنده ثمة مراجعة، ولكنه لا يملك الشجاعة للإفصاح عنها، وجميلٌ قول أحد الفلاسفة الألمان «كلّ حقيقة تحتاج إلى شجاع يفصح بها». مع إن بعضهم ما زال يرى في فكر منْ ذكرتُ وغيرهم المرجعية الفكرية والمقدّس الذي لا يجوز المساس به، وهؤلاء هم المحافظون من أسرى الموروث.
ما هي الاشتغالات الفكرية والدينية التي تراها مفقودة في الخطاب الإسلاميالعراقي؟
- الجهود الفكرية في بلورة نظرية شرعية واضحة للديمقراطية محدودة جدا. ثم هناك من الدراسات ما هو غائب أو شبه غائب مع أهميته في خلق وعي فكري وسياسي تحتاجه المرحلة الراهنة والمستقبل، أذكر منها نقد تجربة الثورة الإسلامية الإيرانية، مراجعة فكر وسيرة بعض الفقهاء مراجعة نقدية موضوعية ومنصفة ومحايدة، ومراجعة تجربة الأحزاب الإسلامية، لاسيما حزب الدعوة الإسلامية وحركة الإخوان المسلمين. أما من ناحية الفكر العام، فمع أهمية ما بُحث في هذا الجانب، ما زالت الجهود هي الأخرى محدودة. وأهم ما يجب مراجعته، هي الأحكام الشرعية ذات البعد الاجتماعي، وذلك من حيث معرفة الثابت من المتغيّر، ومع فرض وجود الثابت، من حيث التمييز ما بين الالتزام الشخصي الطوعي بحسب علاقة الإنسان بربّه وبحسب ما ألزم هو به نفسه، من حيث القناعة في جانب القناعة الفكريّة، ومن حيث درجة الإيمان في جانب الحرارة الإيمانيّة، التمييز بين هذا وبين إلزام الآخرين القسري عبر الدولة والدستور والقانون والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بأساليب التعسّف المنفرة. نحتاج إلى تجذير مفهوم أن الإسلام مشروع دعوة، وليس مشروع دولة، كما نفتقد إلى دراسة موضوعية تاريخية وفقهية لموضوعة المرجعية، لمعرفة حقيقة أصل ثبوتها بصورتها التي ألفتها الأمة، وحقيقة وسعة دورها الاجتماعي والسياسي.
الإسلام الديمقراطي .. لا مبرر للإسلام السياسي
تولون قيادة تنظيم جديد في العراق يحمل عنوان ‘تجمع الديمقراطيين الإسلاميين’، ويلاحظ أن التجمع يُقدّم نفسه بوصفه حزبا إسلاميا ديمقراطيا، وهي وصفية تثير الكثير من النقاشات. ما دلالة الجمع بين الإسلام والديمقراطية؟
- صحيح إني أنطلق في طروحاتي الفكرية والسياسية من قاعدة فكرية إسلامية، ولكني الآن لا أرى مبررا لوجود حزبٍ إسلامي، بمعنى تبني الإسلام السياسي، أي الإسلام كمشروع دولة، ولكني مع هذا رأيتُ أن أقرن لفظتي«الإسلام» و«الديمقراطية»، تأكيدا لما أذهب إليه بعدم التعارض ما بين الإسلام والديمقراطية، وقد كتبتُ كثيرا في الاستدلال على عدم التعارض هذا، تارة بتحليل الديمقراطية إلى عناصرها التي تتركب منها، وعرض كلّ عنصر على الإسلام والانتهاء بموقفٍ شرعي إيجابي، على نحو الجواز أو الترجيح أو الوجوب، وفي حالة وجود حرمةٍ أو مرجوحية بالعنوان الأولي أثبت تحوّل تلك الحرمة - فيما لو وجدت - بالعنوان الثانوي إلى رخصةٍ أو وجوب. كما استدللتُ بطرق أخرى على شرعية الديمقراطية، ومنها الخيار الشرعي والعقلائي الوحيد من بين خمسة خيارات لا سادس لها، هي ديكتاتورية عَلمانية، وديكتاتورية إسلامية، وديمقراطية مشروطة بشرط العَلمانية، وديمقراطية مشروطة بشرط الإسلام، والخيار الخامس هو الديمقراطية غير المشروطة أو سميتها أيضا بالديمقراطية غير المؤدلجة، وهي الخيار الشرعي والعقلائي الجامع والممكن الوحيد. وهذه الديمقراطية غير المشروطة أو غير المؤدلجة هي حسب رؤيتي اليوم العَلمانية، لا بمعنى إقصاء الدين، بل بمعنى الموقف المحايد من الدين، لأني اليوم أرى أن العَلمانية هي الحاضنة الأفضل لقضايا الدين وقضايا الدنيا، أي قضايا الوطن والإنسانية. ومن هنا دعوتُ الإسلاميين إلى دراسة الفصل بين الدعوي والسياسي، أي بين المهمة الدعوية والمهمة السياسية.
ولكن ألا يعني ذلك القول بتجزئة الدين وتجزئة موضوعات الحياة المختلفة التي يُعنى بها؟
- كلا، بل يعني تحديد الميادين، ليكون لكلّ ميدان آلياته وقواعده العملية. فإننا عندما نبحث عن قضايا السّياسة وعن العلاجات لمشاكل المجتمع؛ لا نحتاج إلى الرجوع إلى الرّسالة العملية، ولا إلى فلسفة التوحيد، ولا إلى مرجع لنأخذ منه الفتوى، بل إلى الثروة الهائلة من التجربة الإنسانية والمعرفة الدقيقة للواقع وأمراضه واحتياجاته ومتطلباته. فحلف الفضول الذي أثنى عليه الرسول الأكرم (ص)، كان مشروعا جاهليا من حيث البيئة والحقبة الزمنية، لكنه كان يمثل تجربة إنسانية رائدة استحقت ثناء الإسلام عليها. ويبقى السّياسي المتديّن ملتزما بضوابط الدّين فيما يتبناه. فالقضايا التي يرجع فيها السّياسي إلى الدّين محدودة جدا. نعم إذا أراد الإنسان المتديّن أن يمارس دورا دينيا في الإرشاد والتثقيف، فلا يقوم بمثل هذه المهام في ظلّ الدولة الديمقراطية المدنية عبر الحزب السياسي، بل عبر المؤسسة الدعويّة. لأن الأحزاب الإسلامية تملك المبرّرات لممارسة هذا الدور عندما تمنع الأنظمة المستبدة المعادية للدين ممارسة الوعظ الديني، أما في ظلّ الدولة الدستورية التي تضمن حرية الرأي والاعتقاد، فيجب أن تمارس هذه الأمور من خلال مؤسسات دينية غير سياسية، وليس من خلال الأحزاب السّياسية. من هنا فنحن كسياسيين ديمقراطيون، نستمد مشروعية الديمقراطية من فهمنا للإسلام.
التبعيض أصل التقليد.. ولا للفتاوى السياسية
ما هي تجربة الحزب في القضاء على الدمغة الطائفية التي تسود الأحزاب الإسلامية اليوم؟
- تجمّع الدّيمقراطيين الإسلاميين فتحَ أبواب الانتماء للسني والشيعي على حدٍّ سواء، ولكن بسبب خلفيتي كسياسي كان منتميا لفترة طويلة إلى حزب إسلامي ذي خلفية شيعية، لم أنجح في اجتذاب أعضاء سنة إلى التجمع. من هنا أفكر بالخروج من هذا المأزق الذي هو وليد أزمة الثقة التي تتحمّل مسؤوليتها الأحزاب الإسلامية الشيعية والسنية. وبسبب طروحاتي الإصلاحية ونقدي الصريح غدوت مهدّدا بشكل جدّي، وهذا شكل عائقا إضافيا في مواصلة المشروع. وإني أعتقد اليوم أنّ من المصلحة الانطلاق بمشروع سياسي وطني غير طائفي وغير مؤدلج ولا يتبنى تسييس الدين، من أجل عبور الخطر الذي يحفّ بالمشروع الوطني في العراق من أجل بناء الدولة الدستورية المدنية العصرية الديمقراطية، التي أعتبرها المصداق الأفضل للدولة الكريمة التي وردت في دعاء «اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة».
يعلن الحزب التزامه بالقرآن والثابت من السنة، ولكن مِن مَن يستقي الحزب مفهوماته للقرآن والاجتهادات التي تنهض من السنة، خصوصا وأن موقف الحزب من المرجعية الدينية يبدو موقفا غامضا؟
- بيّنا في النظام الداخلي أننا نلتزم - في حال وجود حاجة إلى فتوى - بالفتوى الجامعة للشرائط، وليس باتباع الفقيه الجامع للشرائط، وذلك على أساس التبعيض في التقليد، وهذا يعطي سعة كبيرة في اختيار ما هو أكثر انسجاما مع مبادئ الحزب، وهذا المنهج لا يمثل اقتنائية بلا قواعد، بل هو اقتناء قائم على أسس شرعية وعقلائية في جواز التبعيض، والذي أعتبره هو الأصل في التقليد، بينما عدمه هو الذي يحتاج إلى دليل، وليس العكس، ذلك بدليل أصالة اليسر، ولانسجام التبعيض مع اليسر أكثر من عدمه، علاوة على عدم وجود دليل أصلا على التقليد، إلا الدليل العقلائي، بوجوب رجوع غير صاحب الاختصاص إلى صاحب الاختصاص فيما لا اختصاص له فيه، ولعدم احتياج السياسة في الأعم الأغلب إلى فتوى سياسية، لأنها من الموضوعات الخارجية التي يقول الفقهاء أنفسهم أن تشخيصها من شأن المكلف، وليس من شأن المجتهد، والمكلف المعني بالشأن السياسي هو الممارس للعمل السياسي، وصاحب التجربة في السياسة، وحيث أن السياسة من الأمور التي يتخذ فيها الموقف على ضوء الموازنة بين المنافع والمضار، وليس مما يرجع فيها إلى فتوى شرعية. وقد أثبتُّ في دراسةٍ لي عدم وجود فتوى سياسية ملزمة.
:: رجوع :: :: الصفحة الرئيسية ::