الدعوة إلى تشكيل الأقاليم ما لها وما عليها

   

الكاتب:ضياء الشكرجي

 الدعوة إلى تشكيل الأقاليم ما لها وما عليها
كنت من المتحمسين للفيدرالية في لجنة كتابة الدستور عام 2005، وكنت معجبا بالتجربة الفيدرالية في ألمانيا، التي كنت قضيت فيها لغاية نيسان 2003 أكثر من نصف عمري، حيث قضيت فيها على مرحلتين (1963 – 1972 + 1980 – 2003) ما مجموعه ثمان وثلاثون سنة من مجموع الثماني والخمسين سنة ونصف السنة التي كان عمري عليها يوم قدومي إلى العراق بعد التغيير. وكانت لي مبرراتي العديدة للدفاع عن الفيدرالية آنذاك، وما زلت أؤمن بصحة أكثر تلك المبررات.
بقطع النظر عما إذا كانت فيدرالية، كونفيدرالية، لامركزية إدارية على صعيد المحافظات، ففي كل الأحوال تمثل المركزية قرينة ملازمة للنظم الديكتاتورية، بينما النظم الديمقراطية تعتمد بدرجة أو أخرى اللامركزية، على اختلاف التجارب والنظم اللامركزية. فإذا لم تكن كل النظم الفيدرالية ديكتاتورية، فكل النظم الديكتاتورية مركزية، لكون اللامركزية تخفف من صلاحيات المركز وتوزع صلاحيات إدارة البلاد، مما يتعارض مع منحى التفرد وحصر السلطات في الفرد الواحد المتربع على قمة السلطة.
إذن من حيث المبدأ لا بد لنا من أن ندعم مفهوم اللامركزية في إدارة الدولة. لكن كما إننا نؤمن بأن اللامركزية جاءت كصيغة تكميلية للديمقراطية، لا بد لنا من أن نؤكد دائما أن الديمقراطية والمواطنة هما المعياران الأساسيان والشرطان اللامسموح التنازل عنهما في تشكيل الأقاليم، أو اعتماد اي أسلوب من أساليب اللامركزية الإدارية.
فنحن في الوقت الذي نتحفظ على مدى الالتزام بمبادئ الديمقراطية ومعيار المواطنة في الحكومة المركزية (الاتحادية بحسب المصطلح الدستوري)، ودعَونا وما زلنا ندعو إلى إصلاح العملية السياسية بمعالجة كل ما يتعارض مع مبادئ الديمقراطية، ويتقاطع مع مفهوم المواطنة، لا بد لنا من التأكيد على إن هذا الإصلاح يشمل ما هو قائم من أقاليم (إقليم)، وإن هذه المبادئ والمعايير هي التي يجب أن تراعى في تشكيل أي إقليم في المستقبل القريب أو البعيد، وكذلك فيما هو الأمر مع إدارة المحافظات.
إذن ضوابط أو شروط تشكيل الأقاليم يجب أن تكون كالآتي، بحيث يكون دعمنا لتشكيل أي إقليم، أو تحفظنا على ذلك، بمقدار تحقق أو عدم تحقق تلك الشروط والمعايير:
1.الديمقراطية: ليس فقط على مستوى آليات تشكيل الإقليم، فهذا من الشروط الدستورية المفروغ منها أو هكذا يفترض، ولكن أيضا من حيث أن الداعين إلى تشكيل الإقليم أو القائمين على إدارة الإقليم هم من المؤمنين بالديمقراطية والملتزمين بلوازمها على مستوى الأداء.
2.المواطنة: من الخطورة بمكان أن يكون الداعون إلى تشكيل إقليم أو القائمون على إدارة إقليم من الذين يفكرون إذا كانوا شيعة شيعيا بالدرجة الأولى، أو إذا كانوا سنة يفكرون سنيا بالدرجة الأولى، أو إذا كانوا كردا يفكرون كرديا بالدرجة الأولى، ولا تتخذ ثقافة ومشاعر المواطنة موقع الأولوية من فكرهم وأحاسيسهم وأدائهم، لا على نحو الشعار، بل على نحو الإيمان والتفاعل، والخطاب والأداء والمواقف.
3.ألا يكون تشكيل الإقليم مقدمة لتعريض وحدة العراق للتصدع.
4.ألا يكون تشكيل الإقليم مكرسا للطائفية أو العنصرية.
5.ألا يكون تشكيل الإقليم تكريسا لسلطة الإسلام السياسي، لتعارض فكر الإسلام السياسي مع مبادئ الديمقراطية وروح العصر ولوائح حقوق الإنسان بدرجة أو أخرى.
6.ألا يكون هناك خطر بتحول الإقليم إلى بؤرة للفساد المالي والإداري.
7.ألا يكون هناك خطر بتحول الإقليم إلى ملجأ للإرهاب، أو العنف، أو للتطرف، سواء تحول إلى ملجأ للقاعدة، أو للبعث، أو للأحزاب الدينية والطائفية المتطرفة.
8.ألا يكون هناك خطر بتحول الإقليم إلى ملجأ لنفوذ بعض دول الجوار المعادية لعملية التحول الديمقراطي في العراق، من خلال أن الداعين لتشكيل الإقليم أو القائمين على إدارته من المعروفين بالانسجام الإيديولوجي أو الطائفي مع دولة من دول الجوار، لاسيما تلك التي تتدخل بشكل مُضرّ بالشأن الداخلي للعراق، وتتقاطع إيديولوجيتها أو سياساتها مع مبادئ الديمقراطية.
التحولات في المواقف من الفيدرالية:
جرت عبر مراحل ما قبل 2003 وما بعد 2003 تحولات في مواقف أكثر القوى السياسية. ففي الثمانينات، عندما كانت معارضة المهجر تنشط خارج العراق، كانت القوى العلمانية – وعلى رأسها الحزب الشيوعي - إلى جانب القوى الكردية وحدها التي تطالب بالفيدرالية، حينذاك بشكل خاص للكرد، فكان الشعار المطروح آنذاك (الديمقراطية للعراق والفيدرالية لكردستان). القوى الإسلامية الشيعية كانت ضد هذين المطلبين بشكل كلي، فهي ترفض الديمقراطية، لكونها تعني حاكمية الشعب في مقابل حاكمية الله، وهذا ما كانت ترفضه الأحزاب الإسلامية، ولكون إيران الخمينية رفضت الديمقراطية بقوة، وطرحت مشروع دولة ولاية الفقيه، كما كانت هذه الأحزاب ترفض الفيدرالية أيضا ربما لمعاداة الخميني لأطروحة الفيدرالية، مما حدى به لفرض الإقامة الجبرية على المرجع شريعتمداري الذي طالب في حينها بالفيدرالية كنظام مناسب لإيران، بحكم التعددية الإثنية والسعة الجغرافية لإيران. من بعد انتفاضة 1991 ومؤتمرات المعارضة وعلى رأسها مؤتمر صلاح الدين، رضيت الأحزاب الإسلامية بمبدأ الفيدرالية عن مضض وبدون قناعة عميقة بالمشروع من قبل الجميع، إلا أن مشروع المعارضة المشترك مع القوى العلمانية والكردية فرض عليها هذا القبول رغم بقاء بعض شخصيات تلك الأحزاب كالآصفي الناطق الرسمي لحزب الدعوة في حينه، وممثل خامنئي في النجف حاليا، الذي كان يرفض ما دون الفيدرالية، أي الحكم الذاتي. أما بعد 2003 ولاسيما ضمن عمل لجنة كتابة الدستور عام 2005، اصطف الإسلاميون الشيعة إلى جانب الأحزاب الكردية في الدعوة للفيدرالية، بينما بقي ممثلوا ما سمي بمكون السنة العرب متحفظين، أو داعين إلى اقتصار العراق على إقليمين فيدراليين، كردي وعربي. وحتى الإسلاميون الشيعة لم يكونوا في العمق ابتداءً متحمسين للفيدرالية، إلا لأنها أمر واقع لا بد لهم من القبول به، لأنهم بحسب رؤيتهم ضمنوا أن يكون العراق كلهم بأيديهم بدرجة أساسية، لكون الشيعة يمثلون الأكثرية السكانية في العراق، ومن هنا كان مشروعهم مشروع المكونات (شيعة، سنة، أكراد) بديلا عن مشروع التعددية السياسية المتجاوزة للتخندقات الطائفية والعرقية والملتزمة بمبدأ المواطنة حصرا، ولذا لم يشعروا أنهم كـ(شيعة) بحاجة للفيدرالية، لأن حكم العراق كله ينبغي أن يكون للأكثرية الشيعية. ومن مؤشرات التحفظ آنذاك هو رفضهم الشديد لمطلب الكرد في أن يكون اسم الدولة العراقية الرسمي هو (جمهورية العراق الاتحادية) أسوة بالدول الفيدرالية مثل (جمهورية ألمانيا الاتحادية)، ومن أجل ممارسة الضغط على الكرد للتنازل عن مطلبهم هذا طرحوا اسم (جمهورية العراق الاتحادية الإسلامية) من أجل أن يتنازلوا لاحقا عن مفردة (الإسلامية) مقابل تنازل الكرد عن مفردة (الاتحادية). ولكن عام 2006 أطلق المجلس الأعلى بقوة مشروع فيدرالية التسع محافظات الشيعية، والذي عارضته شخصيا بشدة آنذاك وما زلت، محذرا من أن تكون هذه الفيدرالية تكريسا لحاكمية الحزب الواحد (أعني في حينه المجلس) أو حاكمية اللون السياسي الواحد (أعني أحزاب الإسلام السياسي الشيعية)، كما حذرت من أن تكون هذه الفيدرالية بؤرة لتغلغل النفوذ الإيراني أكثر مما هو الحال آنذاك، وتجذير نفوذ القوى الموالية لإيران. وبقي السنة العرب متحفظين على الفيدرالية، ودعوا مبكرا إلى التمييز بين خصوصية كردستان، والتعاطي مع بقية مناطق العراق، وهذا ما تبنيته شخصيا لاحقا، ضمن رؤية ديمقراطية علمانية ليبرالية. اليوم تحول أكثر المتحفظين على الفيدرالية بالأمس إلى دعاة متحمسين لها، مثلما تحول الكثير منهم من التضامن مع مقاومة الاحتلال الأمريكي إلى راغبين في التمديد للأمريكان حماية لهم من خطر التهميش.
لماذا الفيدرالية مفيدة
من غير شك إن الفيدرالية كصيغة متقدمة من صيغ اللامركزية، هي ضمانة لعدم تمركز السلطة في فرد أو حزب أو تيار سياسي، إذن هي أكثر مراعاة لمبدأ التعددية الذي هو لوازم الديمقراطية، وبالتالي تكون الفيدرالية نوعا من تجذير الديمقراطية. ولكون الفيدرالية فيما هي ترعى التنوع السياسي والديني والقومي والمذهبي والثقافي، فهي الوعاء الأفضل والأحفظ للوحدة الوطنية، لأن الوحدة ذات اللون الواحد تكون وحدة قسرية، بينما تكون الوحدة المتنوعة وحدة اختيارية، وهذا ما أراد الكرد تثبيته في الدستور والذي وافقتهم عليه آنذاك، وهو أن تدرج مفردة (الاتحاد الاختياري)، وهذا ينسجم مع روح (حق تقرير المصير)، والذي أدافع عنه بقوة، إلا أني لا أتفاعل مع الاستغراق المغالي في البعد القومي على حساب مبدا المواطنة، الذي هو أكثر انسجاما مع القيمة الإنسانية المجردة للإنسان كواحد من أهم ملامح ثقافة الحداثة التي أنتجت لنا الديمقراطية والمواطنة والدولة المدنية (العلمانية) وحقوق الإنسان والمساواة وغيرها.
بالرغم من اني أدعو إلى دولة المواطنة لا دولة المكونات، لا يمكننا أن نحلق في عالم المثال، ونغمض أعيننا أمام الواقع، الذي فيه هذا التنوع القومي والديني والمذهبي. فإني أجد من جهة ألا يكون الانتماء إلى أي مما ذكر أساسا للولاء السياسي والانتماء السياسي والفكر السياسي، فالسياسة تتكلم عن تعددية من نوع آخر غير تعددية (شيعي، سني، عربي، كردي، تركماني، آشوري، مسلم مسيحي صابئي إيزيدي)، فالتعددية والتنوع السياسيان يتحدثان عن تيارات واتجاهات وولاءات سياسية محضة (يساري، ليبرالي، اشتراكي، محافظ، أممي، قومي، وطني)، وذلك كمفردات بسيطة أو مركبة. مع هذا فبحكم وجود أكثريات وأقليات، أو مكونات اجتماعية كبيرة نسبيا وأخرى صغير نسبيا، فحتى مع اعتماد التعددية السياسية المحضة بعيدا عن التخندقات الحالية القومية والمذهبية، فيما نتطلع إلى تحقيقه مستقبلا، فإن فرص تبوؤ أشخاص ينتمون إلى المكون الأكبر أكثر من فرص من هم دونهم عددا، وفقا لحسابات الاحتمالات. من هنا فإن للفيدرالية فائدتين مهمتين، الأولى أن الفيدرالية تعطي فرصا لأحزاب واتجاهات سياسية (بعيدا عن التخندقات الإثية والطائفية وغيرها)، ليكون لها دور في إقليم أو أكثر، في حال انحسار فرصها على المستوى الوطني الاتحادي، والفائدة الثانية هو أن الفيدرالية تعطي فرصا للمكونات الاجتماعية من غير الأكثرية أن تدير أقاليهما، إذا لم تكن لها فرصة في إدارة الدولة بالثقل الذي تتطلع إليه، هذا دون أن يكون الدافع هو أن يكون دور لسين أو صاد من الأشخاص أو الأحزاب بسبب أنهم ينتمون إلى مكون السنة العرب، أو الكرد، أو الشيعة، أو التركمان، أو غيرهم، بل يكون ذلك تحصيل حاصل وإفرازا طبيعيا دون الحاجة إلى التخندق الطائفي أو القومي، فلا يشعر أحد بالتهميش، سواء كان عن قصد أو عن غير قصد.
بقي سؤال مطروح للدراسة والإجابة غير الانفعالية والمتجردة تماما، وهو هل لدينا يا ترى أرضية صالحة لإنشاء الأقاليم وتطبيق الفيدرالية الآن؟
ونقطة أخرى لا بد من الإشارة لها. وهي أن ليس هناك من دولة فيدرالية - حسب علمي - تجد فيها رئيسا للإقليم، وكأن الإقليم دولة داخل الدولة، نظامه برلماني برئيس شرفي، أو نظامه رئاسي برئيس ذي صلاحيات تنفيذية. فالرئيس أي رئيس الدولة والذي نسميه في العراق وفي كثير من الدول ذات النظام الجمهوري سواء الرئاسية أو البرلمانية برئيس الجمهورية، هذا الرئيس ليس إلا للدولة ككل، ففي حال كون الدولة اتحادية فهو الرئيس الاتحادي أي رئيس الدولة الاتحادية، وليس للإقليم رئيس إلا في العراق. أقول إذا كان إقليم كردستان قد اختار هذه الصيغة، فلا يعني ذلك أن تستنسخ تجربة إقليم كردستان لبقية الأقاليم المراد تشكيلها، كما ذكر أحد أعضاء مجلس محافظة صلاح الدين أن صلاح الدين ذاهبة إلى أن تكون إقليما له رئيس إقليم ورئيس وزراء. في كل الدول الفيدرالية هناك حكومة محلية للإقليم، فيها الوزارات الخدمية مع وزارة داخلية محلية، وربما وزرات للتربية والتعليم والتعليم العالي وغيرها، أما الخارجية والدفاع والاقتصاد (وزارة الاقتصاد غير المالية) فهذه وزارات اتحادية حصرا، كما إن الرئاسة هي للدولة الاتحادية حصرا. وهنا دعونا نتساءل، هل لدينا وزراء اتحاديون أكفاء حتى يكون لنا هذا الكم من الوزراء المحليين؟ وهل قضينا على الفساد المالي (الاتحادي) حتى نبدأ بمواجهة الفساد (المحلي) في الأقاليم والمحافظات؟ أسئلة تحتاج إلى - لا أقول إجابة - بل دراسة.
أوجز القول: نعم للفيدرالية لكن الفيدراليات التي نتطلع إليها هي: فيدراليات ديمقراطية، غير مُتطوئِفة شيعيا أو سنيا، غير مُتعنصِرة كرديا أو عربيا، غير فاسدة ماليا أو إداريا، مؤمنة إيمانا عميقا بالحريات وحقوق الإنسان، غير ذات حنين إلى ديكتاتورية البعث المقبور، ليست أداة لتنفيذ أجندات إيرانية أو ما سواها من أجندات غير عراقية.
   

المزيد من المواضيع







البحث

آراء الزوار

احصائيات

آخر تحديث و أوقات أخرى


حقوق النشر محفوظة Copyright © 2012, nasmaa.org, All rights reserved