الدولة المدنية الديمقراطية بديل دولة المحاصصة

   


 تحسين المنذري

يحتل موضوع الدولة المدنية الديمقراطية ومقارنتها بالدولة المحاصصية (طائفية أو أثنية) أهمية استثنائية في مجمل نضال شعبنا وعدد من شعوب المنطقة كلبنان أو كالسودان، لما تعانيه تلك الشعوب من آثار التطبيق المتزايد لفرضية العزل على أساس طائفي أو أثني، وما جره ذلك العزل من نتائج كارثية على مجمل تقدم وحضارة الشعوب المبتلاة بنظام المحاصصات. وقبل الحديث عن أهمية الانتقال إلى الدولة المدنية الديمقراطية لا بد من التوقف أولا عند خصائص الدولة المحاصصية وذلك استنادا إلى تجارب قريبة ما زالت قائمة:

1. تُقسِم الدولة المحاصصية المجتمع إلى كيانات وهمية تؤدي إلى عزل أبنائه عن بعضهم على أساس الانتماء المذهبي أو القومي.
2. يؤدي هذا العزل بالضرورة إلى إضعاف نضال القوى الوطنية الديمقراطية واليسارية تحديدا وذلك لأن العزل يؤدي إلى تجزئة نضال الطبقات الاجتماعية الرامية إلى التحرر والتطور والانعتاق والتي تشكل الرافعة الاجتماعية للقوى الديمقراطية اليسارية بحيث ينحصر التناقض داخل كل مكون (طائفي ـ قومي) على حده بدل أن تتجمع طاقات القوى الديمقراطية في تناقض واحد مع القوى المعيقة للعملية الديمقراطية التقدمية.
3. تتمثل الدولة المحاصصية بتوزيع المناصب السيادية الهامة على أساس محاصصي وكذا الحال للكثير من المواقع الوظيفية الهامة مما يؤدي بالضرورة إلى أن يتبوأ أشخاص أقل كفاءة من آخرين مجاملين لهم لا يبعدهم عن المركز الوظيفي أو السيادي سوى انتمائهم العرقي أو الطائفي وهذا يؤدي إلى نتيجتين:

أ.  ضعف الأداء الوظيفي مما يعني عرقلة تطبيق خطط التنمية الشاملة أو اقتصارها على مناطق دون أخرى.
ب. استشراء حالة الفساد الإداري والمالي والذي يعرقل بدوره كل عملية تقدم ملموسة على صعيد تطوير الكفاءات البشرية أو الاقتصادية أو غير ذلك.

4. تستند القوى الطائفية  ـ الإثنية إلى نصوص مقدسة أومؤسسات دينية أو إلى مرجعيات قومية لا تعطيها المرونة للقبول بالآخر وتبادل السلطة سلمياً.
5. تنكفئ الولاءات الوطنية إلى ولاءات أقل منها مستوى مثل الولاء للطائفة أو القومية مما يضعف روح المواطنة والشعور بالمسؤولية تجاه قضايا الوطن الأساسية الهامة (مثل قضايا التنمية أو الديمقراطية وحقوق الإنسان).
6. يفرض غياب وحدة قوى الضبط الوطنية جراء المحاصصة حاجة المكونات الطائفية ـ الإثنية إلى أذرع مسلحة على شكل ميليشيات بعضها علني والآخر مستتر لفرض توازن للرعب أو لحل خلافاتها مع المكونات الأخرى عن طريق العنف.
7. تضطر المكونات الطائفية أو القومية أحيانا وعن طريق ممثليها السياسيين إلى الاعتماد على قوى خارجية (إقليمية أو دولية) لأجل الاستقواء بها على المكونات المقابلة مما يفسح في المجال لتلك القوى للتدخل بالشأن الداخلي للبلد المعني.
8. قد تتوفر في دولة المحاصصة بعض الحريات لكنها تفتقد إلى الديمقراطية الحقيقية بسبب غياب مبدأ تكافؤ الفرص. كما ينحسر دور الفرد لحساب دور الجماعة أو الكتلة الطائفية، ويتم استغلال الستار الطائفي لطلب السلطة من قبل شرائح طبقية مستفيدة من الوضع وهذا بدوره يؤدي إلى انقسامات داخل الطائفة أو المكون الاجتماعي، وتضعف منظمات المجتمع المدني، ويتم اللجوء إلى مبدأ التوافق كحل وقتي للأزمات والإشكاليات.

يظهر مما تقدم أن الدولة الطائفية أو المحاصصية تعود بالمجتمع إلى الوراء بعيدا عن أشكال الدول المتحضرة حتى أنها تبدو أحيانا وكأن المجتمع في مرحلة ما قبل الدولة، وإن الإيغال في تطبيقات المحاصصة على مختلف جوانب الحياة ليس السياسية فقط، قد يجر في الأخير إلى تقسيم البلد إلى دويلات صغيرة مهمشة يكون الضحية فيها دوما الإنسان المتطلع إلى حياة أفضل تعتمد العلمنة كأساس لتوجهاتها اللاحقة. وبالتالي فإن النضال لاستبدال نظام الدولة من الدولة المحاصصية إلى الدولة المدنية الديمقراطية عتبة مهمة لانتقال الإنسان إلى مراحل متطورة تتحقق فيها كامل إنسانيته حاصلاً على كل حقوقه الثقافية والاجتماعية والاقتصادية والسياسية . فما هي الدولة المدنية الديمقراطية؟

ظهرمفهوم الدولة المدنية في أورپا أثناء وبعد قيام الثورة الصناعية الكبرى، حين صار العديد من القيم والمفاهيم المتوارثة متخلفة إزاء الواقع المتطور تصاعديا ومعيقة لمجمل هذا التطور، وحين تبنت القوى الاجتماعية ـ الاقتصادية المستفيدة من مجمل التطورات العلمية الناشئة، عملية الصراع ضد القوى التقليدية، وبذلك فإن مفهوم الدولة المدنية مستمد من التمدن والحداثة وليس من الحياة المدنية بمواجهة علاقات العسكرتارية، رغم أنه مع أي المفهوم يفضي إبعاد العسكر كقوة مؤثرة وفاعلة في توجيه دفة الحكم والبلد.

ويعتبر تطور الدولة هاما بالنسبة لشعوب البلدان النامية ومنها العراق لما سيفضي إليه لاحقا من تطورات مجتمعية، فالدولة المدنية تصبح هامة للوصول إلى المجتمع المدني، ذلك إن حجم التخلف الذي لحق بالشعب العراقي وتحطيم أو تعطيل دور قواه الوطنية الديمقراطية لعقود من الزمن جعل فكرة المجتمع المدني بعيدة المنال ما لم تتحول الدولة إلى الطراز المدني الديمقراطي. يعتبر (مونتسيكيو) إن الدولة المدنية هي الدولة التي يتم فيها فصل السلطات الثلاث (التشريعية، التنفيذية والقضائية) عن بعضها بطريقة تضمن استقلال كل منها عن بعضها. إلا إن هذا المفهوم يصبح قاصرا إذا ماعرفنا إن تجارب شتى لم تضمن استمرارية استقلال السلطات ما لم تقترن بجملة تشريعات ترسخ المفهوم المدني للسلطة لعل أبرزها هي عملية فصل الدين عن الدولة وهو ماعرف بالعلمانية بما يضمن حياد كافة أجهزة الدولة إزاء الأديان والطوائف جميعا التي يتكون منها المجتمع على أن تكون علمانية الدولة ضامنة لحق معتنقي الأديان كافة في ممارسة كافة شعائرهم وحقوقهم بدون مساس بالآخرين أو تجاوز على حقوقهم ومعتقداتهم.

في الدولة المدنية يجب أن يتضمن الدستور وكافة التشريعات التي تقرها الدولة والمتعلقة بكل مفاصل الحياة المجتمعية عددا من الشروط الأساسية:

1. فصل أو تنظيم العلاقة بين الدين والدولة.
2. الإقرار بالديمقراطية كمبدأ أساس للتعامل بين أجهزة الدولة والمواطن وبين المواطنين ومكوناتهم السياسية والاجتماعية.
3. النص صراحة على علوية الإعلان العالمي لحقوق الإنسان كوثيقة تشريعية أساسية وكافة المواثيق والعهود الدولية المكملة له.
4. الفصل بين السلطات الثلاث عن بعضها بما يضمن استقلالية كل سلطة.
5. حق الفرد في التعبير عن رأيه بالطرق الديمقراطية والقانونية.
6. حرية التنظيم السياسي والنقابي وحق تشكيل منظمات المجتمع المدني.
7. التداول السلمي للسلطة عبر الانتخابات.
8. مساواة الأفراد أمام القانون وفي ممارستهم حقهم في التعبير وإبداء الرأي والمشاركة في الانتخابات ترشيحا أو تصويتا بغض النظر عن الجنس والعرق والمعتقد أو المركز الوظيفي أو الاجتماعي أو السياسي (أي مبدأ تكافؤ الفرص).
9. وضع قانون للأحزاب والمنظمات المدنية يقر عدم شرعية أي تنظيم يحمل امتدادات ميليشيوية أو يمثل شريحة طائفية دون أخرى ويلزم الأحزاب كافة اعتماد الديمقراطية والشفافية كمبادئ أساسية في عملها تقرها برامجها وأنظمتها الداخلية ويمنع على الأحزاب تلقي كل أشكال الدعم الخارجي مالية كانت أو إعلامية أو غير ذلك.
10. تضمن الدولة تشريعيا وتطبيقا استقلال دور العلم (مدارس، معاهد، جامعات) واعتمادها على آخر المبتكرات العلمية والبحثية في وضع برامجها التدريسية وعدم تبعيتها لأي فكر أو توجه ديني أو إيديولوجي وحق المواطن الفرد في ولوج دور العلم كافة وفق اُسس منهجية واضحة.
11. تتبع الدولة خططا للتنمية الاقتصادية والبشرية الشاملة بما يحقق العدالة الاجتماعية كحد أدنى لضمان تمتع المواطن بحريته في العيش والسكن وممارسته لكل مستلزمات ديمومته الحياتية (كالصحة والتعليم وبقية البنى الأساسية للمجتمع).
12. ضمان عدم تبعية أجهزة الجيش والأمن لأية سلطة سوى ولاءها للوطن عن طريق ضمان حق كافة المواطنين في العمل والتطوع فيها بدون شروط (لا تتعلق بالنزاهة أو الأهلية الاجتماعية أو البدنية) تستثني البعض دون الآخر حتى في احتلال المراكز القيادية المهمة.

أثبتت التجارب إن طول فترة بقاء البلد تحت نموذج الدولة المحاصصية يجعل عملية الانتقال إلى الدولة المدنية الديمقراطية أكثر صعوبة وذلك لاستطاعة القوى المستفيدة من المحاصصات من إيجاد ركائز اقتصادية وسياسية تخدم بقاءها في الحكم وأيضا تستطيع أن توثق علاقاتها مع دول كبرى أو ذات مصالح متنفذة في المنطقة تدعم بقاءها واستمراريتها، وتجربة لبنان دليل واضح فرغم مقررات مؤتمر الطائف التي حاولت التخفيف من حدة الفصل الطائفي بين مكونات الشعب اللبناني إلا إن أغلب بنودها ما زالت حبرا على ورق ولم يتسنَّ للقوى الموقعة على الاتفاقية من تنفيذ التزاماتها التي أبرمتها بنفسها، من هذا فإن لتجربة كالتجربة العراقية التي ابتدعت قوى الاحتلال فيها تقسيمات طائفية دورا مهما في الصراع ضد الطائفية مرهون بإرادة القوى الديمقراطية وبقدرتها على تنظيم صفوفها وتوحيد أهدافها وعلى ما تطرحه من بدائل للنهوض بالواقع الاجتماعي والاقتصادي والسياسي عموما وعلى اتباع الطرق السلمية في التغيير بعيدا عن كل أساليب العنف والمواجهة الدموية ونقل الصراع إلى مستوى الصراع الفكري والسياسي بطرق ديمقراطية والتركيز على إحداث تغييرات جوهرية في الدستور وبقية القوانين النافذة بما يضمن بشكل جلي إزالة كل مايعيق ممارسة الإنسان العراقي لكل حقوقه وتنفيذ واجباته. ورغم وضوح الفكرة لا بد من التأكيد على ضرورة استبعاد فكرة الانقلابات العسكرية والتدخلات الخارجية من أجل الوصول إلى صيغة الدولة المدنية الديمقراطية والتي لا يضمن استمرارها وتطورها وجود قوى أجنبية تحتل العراق، فالاستقلال شرط أساس وهام لإنجاز المشروع الوطني الديمقراطي للعراق.

   

المزيد من المواضيع







البحث

آراء الزوار

احصائيات

آخر تحديث و أوقات أخرى


حقوق النشر محفوظة Copyright © 2012, nasmaa.org, All rights reserved